"واجب التحفظ".. صخرة "يندى لها الجبين" تتكسر على أعتاب الخطاب الشعبوي

يعتبر "واجب التحفظ"، لدى الفاعل السياسي المغربي، واحدا من المبادئ التي عُرِفت بتمططها واتخاذها لأكثر من شكل ولون وحجم، بحسب من يستعمله وبأية وسيلة ولأية غاية. وذلك بسبب التداخل الحاصل بين الشق النظري للمفهوم باعتباره أحد أوجه حماية أمن واستقرار مؤسسات الدولة واستدامة عملها بدون مؤثرات خارجية، والجانب العملي الذي يبدع عدد غير قليل من السياسيين في تطويعه لصالحهم، تارة باسم الحفاظ على أسرار الدولة وتارة أخرى باسم الانفتاح والحق في الوصول على المعلومة والشفافية، وتارات أخرى بحجة أن التصريحات تمت تحت قبعة السياسي في لقاء حزبي وليس ببذلة المسؤول الحكومي، وهَلُمَّ جَرّاً..

وإذا كان التصريح الأخير للأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله الذي علق على اجتماعات قادة الأغلبية الحكومية، التي كان عضوا فيها قبل القرار الاستباقي لمغدرتها، بأنه "يندى لها الجبين"، فإن تصريحات وتسريبات لفاعلين سياسيين آخرين أثارت الجدل، مجددة النقاش بخصوص حدود التماس بين "واجب التحفظ" و"الحق في الحصول المعلومة.

في هذا السياق يرى عبد المنعم لزعر الباحث في العلوم السياسية أن "الجانب المعياري قد حسَم، في حدوده الدنيا، في العلاقة بين واجب التحفظ والحق في الحصول على المعلومات فيما يتعلق بسير مؤسسة الحكومة، وذلك عندما استثنى القانون رقم 31.13 الخاص بالحق في الحصول على المعلومات، في مادته السابعة من مجال سريانه، الجوانب المشمولة بطابع السرية من عمل الحكومة وعلى رأسها مداولات مجلس الحكومة. وهنا تتكامل مقتضيات قانون الحصول على المعلومات مع مقتضيات القانون التنظيمي الخاص بالحكومة الذي ألزمت مقتضياته الوزراء بواجب التحفظ بشأن مداولات الحكومة كما تنص على ذلك الفقرة الأخيرة من المادة 16 من القانون التنظيمي المذكور".

وحول ما إذا كان هذا الالزام هو حسم قانوني وقطعي، شدد لزعر في تصريح خص به الموقع الاخباري "الصحيفة" على أنه ليس حسما قاطعا قادرا على الإجابة على كل الاشكالات التي يمكن أن تثيرها الممارسة الميدانية من جراء سقوط وزراء في شبهة خرق واجب التحفظ، وعلى رأسها عدم تعريف معنى واجب التحفظ الحكومي، وعدم وضع حدود دقيقة، وفصل معياري بين السري وغير السري في عمل الحكومة".

مشيرا إلى أن تفعيل قيود واجب التحفظ يتأثر بالحرية السياسية وبالقيود الرسمية والقواعد الضمنية والصريحة للحقل الرسمي، حيث تكون للقواعد الرسمية الرمزية سلطة أقوى من القواعد المعيارية المكتوبة، لأنها "قواعد نافذة ثقافيا وملزمة نفسيا للفاعلين، حيث يكون التحلي بواجب التحفظ الرمزي شرطا للدخول إلى الرسمي وشرطا للانتقال من فاعل عادي إلى رجل دولة أو شخصية عمومية"، يقول عبد المنعم لزعر.

وبخصوص تصريحات مسؤولين حكوميين سواء في الحكومة الحالية أو السابقة، وما أثارته من ردود أفعال بين رافض لها باعتبارها تشكل خرقا لواجب التحفظ وبين مدافع عنها كونها إحدى تجليات الحق في الوصول إلى المعلومة، يرى ذات المتحدث أن "النقاشات المثارة حول سلوكيات بعض الوزراء سواء في التجربة الحالية أو السابقة، تنتمي لدائرة فعل التحفظ الرمزي وليس المعياري، وأن أغلب التقييمات التي انصبت على هذه السلوكيات كانت حجتها في ذلك مبنية على مبررات مستمدة من قواعد الإطار الرسمي وليست مستمدة من قواعد الإطار القانوني، حيث تستخدم هذه التقييمات عبارة أن الوزير أو المسؤول الفلاني لا يتصرف كرجل دولة، الذي لا يعني احترامه فقط للقواعد القانونية وإنما تعديها إلى احترام القواعد والثقافة التي تحكم موقعا معينا داخل دائرة الرسمي".

ليبقى "واجب التحفظ" من المبادئ والمفاهيم التي تستهوي الفاعلين السياسيين وتغريهم بها لإغناء مضامين تصريحاتهم التي تنحو في كثير من الأحيان إلى الشعبوية أكثر منه إلى المواقف والتقديرات السياسية.

الأثنين 3:00
غيوم قاتمة
C
°
14.92
الثلاثاء
16.71
mostlycloudy
الأربعاء
17.07
mostlycloudy
الخميس
15.58
mostlycloudy
الجمعة
16.2
mostlycloudy
السبت
15.28
mostlycloudy