"وردة الاتـحـاد".. سِتُون سنة من "راديكـالية" المـواقف تجـاه الـدولـة والحلفـاء

بالرغم من القراءات والتأويلات التي صاحبت انتشار الصورة التي التقطت ببيت عبد الرحمان اليوسفي وزوجته هيلين رفقة عضوات وأعضاء المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلا أن "القيادة الاتحادية" اختارت بيت اليوسفي لبث مجموعة من الرسائل لعل أقواها أن رجال ونساء الاتحاد لا يموتون ولا ينقلبون على رفاقهم بالرغم من كل الخلافات والانتقادات الممكن تسجيلها. وهي الزيارة التي دشن بها لشكر ورفاقه الانطلاقة الميدانية لمسلسل المصالحة الذي أُعْلِن عنه في وقت سابق.

وباستدعاء سريع لتاريخ ومسار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، منذ النواة الأولى للفكرة والتي أطلق عليها إسم "مجموعة الرباط"، وإلى غاية سياق ومآل مفاوضات التحالف الحكومي التي يقودها رئيس الحكومة سعد الدين العثماني وما ستسفر عنه من هندسة حكومية من المنتظر أن يتم الكشف عنها بالتزامن مع الدخول السياسي والاجتماعي الذي سيبدأ بعد أسابيع قليلة. مرورا بمرحلة تغيير الجلد وتجديد الهوية خلال المؤتمر الاستثنائي سنة 1975 حيث اختير إسم "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بديلا لـ"الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، واختيار عبد الرحين بوعبيد كاتبا أولا له.

ثم ما رافق عملية اغتيال عمر بنجلون باعتباره أحد رموز الحزب سواء على مستوى بلورة وأجرأة النسخة الجديدة والمنقحة للاتحاد أو على مستوى صحافته، وما تلا ذلك من مواقف سياسية واجتماعية وصفت بالراديكالية، لم ينظر إليها الجالس على العرش آنذاك بعين الرضا، فدفع ثمنها المنتسبون للاتحاد، بالتساوي، قيادة وقواعدا بالاعتقالات والنفي والضغوطات السياسية.

ضغوطات، وإن تغيرت واجهتها بتغير سياقات الزمن السياسي، إلا أنها لم تنته مع العهد الجديد حين تم الانقلاب على المنهجية الديمقراطية وسحب تسمية الوزير الأول من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالرغم من حصوله على 50 مقعدا برلمانية خلال تشريعيات 2002، واختيار التقنوقراطي إدريس جطو لتنفيذ المهمة..

ستون سنة من تدبير الاختلاف الاتحادي..

عندما صرّح الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ادريس لشگر خلال الندوة الصحفية التي خصصت للإعلان على انطلاق "حملة المصالحة"، وذلك بالتزامن مع الذكرى الستين لتأسيس الحزب، كون المحطات السياسية والتنظيمية التي عاشها الحزب عرفت نقاشات محتدمة وتباينا في التقديرات السياسية والتنظيمية كثيرا ما انتهت بانشقاق تنظيمي أو انسحاب من أجهزة وهياكل الحزب، وهو ما يرى فيه لشگر قوة لا متناهية كامنة في الحزب، الذي لا يقبل مناضلاته ومناضلوه بالرأي الوحيد والقرار المفروض.

لكن ما هي أهـم الاختلافات السياسية والتنظيمية التي عاشتها "الـوردة" طيلة مسارها ودفعت عددا من أوراقها إلى التساقط تباعا، ولماذا يصر الاتحاديون على الجهر بـ"نـداء المصالحة" وتأكيد حرصهم على فتح أبواب الحزب للحوار والنقاش والتواصل مع كل الغاضبات والغاضبين طيلة المحطات التنظيمية والسياسية التي عاشها الحزب؟

لقد لازم الصراع التنظيمي والاختلاف في التقدير السياسي حزب عبد الرحيم بوعبيد منذ التأسيس، فالجمود التنظيمي الذي كان يعرفه "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" تمردت عليه مجموعة من القيادات منذ سنة 1972 لتؤسس مؤتمرا استثنائيا سنة 1975 منحت الحزب إسما جديدا وولادة على أكثر من مستوى.

إن تجدد النقاش حول ضرورة ومآل المشاركة السياسية من جهة، وقدرة كل تيار من داخل "الاتحاد" على إدارة صراع ضبط التنظيم وتملك مفاتيح قوته وضعفه، كانت العناوين البارزة في كل محكمة تنظيمية وسياسية. فالمؤتمر الوطني للحزب سنة 1983 انتهى بتأسيس مجموعة عبد الرحمان بنعمر وأحمد بنجلون للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية-اللجنة الادارية، ثم الفصيل الطلابي "رفاق الشهداء" وبعده الالتحاق بتأسيس حزب الطليعة.

كما أن مجموعة نوبير الأموي التي كانت تحدوها الرغبة في السيطرة على أجهزة الحزب بسبب قوة نقابة "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل"، انتهى بها الصراع التنظيمي إلى تأسيس "المؤتمر الوطني الاتحادي". هذا بالإضافة إلى "مجموعة الوفاء للديمقراطية" التي كان محمد الساسي أحد أبرز وجوهها، والتي اضطرت إلى الانسحاب والمساهمة في  تأسيس "اليسار الاشتراكي الموحد" وبعده "الاشتراكي الموحد". ناهيك عن انشقاق مجموعة عبد الكريم بنعتيق الذي أسس "الحزب العمالي"، ثم مجموعة عبد المجيد بوزوبع الذي أسس "الحزب الاشتراكي المغربي".

ليبقى المؤتمر الوطني الثامن الذي انتُخِب فيه عبد الواحد الراضي كاتبا أولا محطة هامة في مسار الحزب، حيث تقرر اختيار الكاتب الأول على أساس "الشرعية الديمقراطية"، والتصويت كآلية لها، بدل "الشرعية التاريخية". وهي المنهجية التي كانت محط خلاف خلال المؤتمر الوطني التاسع، حين تم انتخاب إدريس لشگر كاتبا أولا لـ"الـوردة"، إذ اتهِمَت عملية التصويت بالتزوير، وأن جهات خارجية أثرت على استقلالية القرار الحزبي، وهو الطرح الذي تبنته مجموعة أحمد الزايدي.

إن الرغبة الجامحة التي تتمسك بها القيادة الحالية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والمتمثلة أساسا في جلوس كل من مَـرّ من مهمة الكاتب الأول للحزب في منصة اللقاء الاحتفالي بالذكرى الستين للتأسيس، وبحضور كل من اقتنع بغايات ومرامي المصالحة الاتحادية، تفسر الدينامية التي أطلقها لشگر ورفاقه بهذا الخصوص.

الـدولة والاتحـاد.. امتنان ولـو بعـد حيـن

المتابع لمبادرات الملك محمد السادس تجاه عبد الرحمان اليوسفي باعتباره أحد أبرز قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ التأسيس، والوزير الأول للحكومة المشكلة سنة 1998 والتي في عهدها تمت عملية الانتقال السلس والهادئ للعرش، وهي المبادرات التي تعددت ما بين أكثر من زيارة لليوسفي حين كان يرقد بالمستشفى في أكتوبر 2016، وما بين إطلاق اسم "الزعيم الاتحادي" على أحد أهم شوارع مدينة طنجة، ثم إطلاق إسمه على فوج الضباط المتخرج سنة 2019، وغيرها من الإلتفاتات الملكية التي تحرص في كل مرة على التأكيد على أن الرجل أهم وأكبر من مجرد وزير أول قضى مرحلة في تدبير الشأن العام ورحل..

لكن، لماذا تعمد العاهل المغربي تكريم عبد الرحمان اليوسفي تحديدا بهذا "العطف" الخاص والعلني دونا عن باقي من جلسوا على كرسي الوزارة الأولى أو حتى كرسي رئاسة الحكومة بعد دستور فاتح يوليوز 2011؟

من المهم التوقف عند علاقة الدولة بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ تأسيسه والتي اتسمت بالتشنج، ذلك أن قيادة "الورد"» اختارت التعبير عن عديد مواقفها في القضايا السياسية والاجتماعية وحتى الخارجية بمعزل عن متلازمة رضا وسخط الدولة. لتظل حالة الشذ والجذب بين الدولة وهاجس حفاظها على مركزية سلطاتها ورفض أي فكرة تفويت بعض الصلاحيات للمؤسسات السياسية حكومة وأحزاب وهيآت، وبين حزب عصي استمد "شرعيته" من التاريخ النضالي لرموزه منذ فترة مقاومة الاستعمار وما أعقبها من صراع سياسي ومطالب بخلق نوع من التوازن بين المؤسسات، ومن الاجتياح الانتخابي، في وقت من الأوقات.

قضى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عقدين من الزمن السياسي في المعارضة، بنى خلالهما قواعد شعبية متينة عن طريق النقابة والشبيبة وعدد من الهيآت والجمعيات التابعة له، وهي المدة التي كانت كافية لسريان الكثير من المياه من تحت جسر علاقته بالدولة.

ليأتي منتصف تسعينات القرن الماضي وبالضبط سنة 1996 التي بصمتها محطة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والتي صوت عليها حزب بوعبيد بـ "نـعــم"، وهي الكلمة التي كانت إعلانا عن انقضاء مرحلة التشنج الذي بلغ حـد المواجهة السياسية، وبداية أخرى قوامها التعاون والتنسيق والتشارك. فتم الاتفاق على أن يقود عبد الرحمان اليوسفي الحكومة المشكلة سنة 1998، ليكون الاتحاد الاشتراك للقوات الشعبية شاهدا ومساهما فعليا في عملية الانتقال السلس للعرش.

وانغمس اليوسفي خلال ولايته الحكومية الأولى في تفعيل ماكان يطالب به من ترسيخ للسلطات وخلق التوازن فيما بينها، ومأسسة الدولة من خلال الفصل بين مهام واختصاصات القطاعات الحكومية التي حرص إدريس البصري، وزير الداخلية على عهد الحسن الثاني ويده الطولى، على تجنيسها والجمع بين الكثير منها حتى تسهل عليه عملية الضبط والمراقبة والتحكم.

لكن تشريعيات سنة 2002 شكلت منعطفا هاما في مسار الحزب، فبالرغم من تصدره للانتخابات بـ50 مقعدا برلمانيا، إلا أن "اليد الخفية" للدولة تدخلت من جديد وقطعت الطريق على اليوسفي ومنحت مهمة الوزارة الأولى وتشكيل الحكومة للتكنوقراطي إدريس جطو. وعلى خلفية هذه الحركة التي وصفها الاتحاديون بـ "غير الديمقراطية"، قرر عبد الرحمان اليوسفي اعتزال العمل السياسي والتواري على الأنظار، ولسان حاله يردد البيت الشعري لطرفة بن العبد حين قال: وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً *** عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ.

"الوردة" و"المصباح".. حـلاوة العيـش على طـرفي نقيـض

اتسمت، ولا تزال، علاقة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمرجعيته اليسارية وحزب "العدالة والتنمية" بمرجعيته المحافظة، وما يرتبط بهما من تنظيمات وهيآت موازية، بالكثير من التنافر الايديولوجي حـد العنف اللفظي الذي تطور في كثير من المرات إلى أحداث دموية، مثل ما كان يقع بعدد من المواقع الجامعية من مواجهات بين طلبة الفصيلين الطلابيين للغريمين السياسيين، والتي تطورت إلى اغتيال عمر بنجلون، وتعليق بنكيران على الحدث بقولته الشهيرة: "أمن أجل كلب أجرب يُحاكم خيرة شبابنا؟".

لتنتقل المواجهات بينهما منذ أواسط تسعينات القرن الماضي إلى فضاءات المؤسسات السياسية والمنتخبة، حيث لم تكد تنتهي الحروب السياسية حتى تبدأ من جديد. ولعل أبرز حادثة يحافظ بها "الـرفـاق" في مسار صراعهم السياسي مع "الإخـوان" هي حالة التآمر التي راح ضحيتها عبد الرحمان اليوسفي إبان تشكيل حكومة 2002، عندما خرج عدد من قيادات حزب العدالة والتنمية بتصريحات ومقالات يؤكدون فيها ويبررون تبنيهم لاختيار جطو وزيرا أولا، وذلك ضدا على النتائج الانتخابية المسجلة.

ليبقى الثابت هو أن الصراع بين الحزبين لا لون ولا طعم ولا شكل له، فكلما بلغ مداه، إلا ويعود منحنى التوافق قبيل كل تشكيل أو تعديل حكومي، إلى مستواه العادي القابل للتعايش في ظـل الاختلاف الايديولوجي والسياسي.

الثلاثاء 3:00
غيوم متفرقة
C
°
17.81
الأربعاء
19.9
mostlycloudy
الخميس
21.57
mostlycloudy
الجمعة
21.75
mostlycloudy
السبت
20.92
mostlycloudy
الأحد
20.1
mostlycloudy