الصحراء، "الكان"، "معركة القفطان"، الاتفاق الفلاحي مع أوروبا.. المغرب يقوي "قوته الناعمة" رياضيا وثقافيا، ويعزز معاركه السياسية في 2025
أعادت سنة 2025، رسم خرائط النفوذ في المنطقة بعدما تمكّن المغرب من تحقيق اختراق دبلوماسي غير مسبوق حين اعتمد مجلس الأمن، يوم 31 أكتوبر القرار 2797 الذي وضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية كمرجعية عملية وحيدة لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء مدعوما بتراكم اعترافاتٍ ومواقف صريحة من قوى كبرى كواشنطن ولندن وبروكسيل ومدريد، فيما عزز موقعه كشريك أطلسي محوري عبر تسريع المبادرة الموجّهة لدول الساحل وتمتين شراكته مع الاتحاد الأوروبي رغم تعقيدات القضاء في عامٍ بدا أقرب إلى لحظة "حسم سياسي" في مسارٍ ظل لعقود عنوانا للتجاذب.
وشكلت سنة 2025، لحظة انتقال حقيقية من مرحلة "الدفاع" إلى مرحلة "إعادة صياغة قواعد اللعبة" في عالم تتغير فيه التحالفات وتُعاد فيه كتابة التوازنات، حيث بدا المغرب واحدا من الفاعلين القلائل الذين دخلوا العام برؤية واضحة وانتهوا منه بمكاسب سياسية ملموسة، مُترسخة في وثائق رسمية وبيانات حكومية وقرارات أممية واتفاقات ثنائية وأفق استراتيجي جديد يمتد نحو الأطلسي وإفريقيا وأوروبا في آن واحد.
كانت نقطة التحول الأكبر في 31 أكتوبر 2025، عندما اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797 بعد تصويت انتهى بـ11 صوتا مؤيدا مقابل 3 امتناعات (روسيا، الصين، وباكستان) ودون أي تصويت ضد، فيما لم تُشارك الجزائر في التصويت.
القرار لم يكتفِ بتمديد ولاية بعثة "المينورسو" لعام آخر، بل منح مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة منذ أبريل 2007 مكانة غير مسبوقة باعتبارها "الحل الواقعي، الجاد، وذي المصداقية" لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء مع دعوة صريحة إلى الدفع نحو حل سياسي قائم على هذه المرجعية بدل العودة إلى أطروحة الاستفتاء التي تآكلت عمليا داخل النقاش الأممي.
لم تكن اللغة تقنية ولا محايدة كما في قرارات السنوات السابقة، بل كانت نتيجة تراكم دبلوماسي اشتغل بعمق داخل أروقة نيويورك طوال العقد الأخير، وبلغ لحظة "الحسم السياسي" في خريف 2025.
وإذا كان هذا التحول الأممي في جوهره اعترافا بسردية الرباط والحقيقة التاريخية، فإنه أيضا تتويج لسلسلة من المواقف الثنائية التي سبقت القرار ومهّدت له فلندن لعبت دورا أساسيا حين أعلنت في يونيو 2025 عبر حوار استراتيجي رسمي مع الرباط أن الحكم الذاتي المغربي هو الأساس الأنسب لإنهاء النزاع ما جعل ثلاث قوى دائمة العضوية في مجلس الأمن الولايات المتحدة، فرنسا، والمملكة المتحدة تتقاطع على موقف واحد يحمل وزنا قانونيا وسياسيا ثقيلا.
تبعت ذلك اصطفافات أوروبية أخرى، أبرزها من البرتغال وبلجيكا، مع إعادة تأكيد مدريد وبرلين مواقفهما السابقة الداعمة لخيار الحكم الذاتي باعتباره المسار الوحيد الممكن عمليا.
في المقابل، حاولت الجزائر في اللحظات الأخيرة قبل التصويت إدخال تعديلات على صيغة القرار لصالح الأطروحة الانفصالية، لكنها اصطدمت بممانعة أغلبية أعضاء المجلس وكان موقفها خلال المناقشات مغلفا بلغة "الدفاع عن تقرير المصير" لكنه بدا في واشنطن وباريس ولندن جزءا من صراع سياسي إقليمي يرتبط بمكانة الجزائر في شمال إفريقيا وتوازن القوى مع المغرب أكثر مما هو مرتبط بمستقبل الإقليم ذاته.
هذا ما جعل كثيرا من التحليلات ترى أن 2025 لم تكن سنة "حسم داخلي لملف الصحراء فقط" بل سنة إعادة تموضع جيوسياسي مغاربي حيث تقدمت الرباط في مجالات التأثير بينما باتت الجزائر في موقع رد الفعل.
على مستوى آخر، كانت واشنطن خلال 2025 عنصر تثبيت أكثر منها عنصر مفاجأة، فمنذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، ظلت الإدارة الأمريكية، رغم تعاقب القيادات محافظة على الخط ذاته في دعم صريح للحكم الذاتي، باعتباره الحل الوحيد الممكن والدفع نحو مسار تفاوضي لا يفتح الباب لخيارات مستحيلة.
في 8 أبريل 2025، جدّد وزير الخارجية الأمريكي هذا الموقف رسميا، فيما جاءت رسالة الرئيس الأمريكي في 2 غشت لتعيد تأكيد الاعتراف وتربطه بجوانب اقتصادية واستثمارية، خصوصا في المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، ما جعل الاعتراف الأمريكي ينتقل من خانة "الموقف السياسي" إلى خانة "السياسة المستمرة" التي تتجاوز تغيّر الإدارات.
أوروبا، من جهتها، بدت أكثر تعقيدا، فهناك واقع قانوني فرضته قرارات محكمة العدل الأوروبية حول الاتفاقات الفلاحية واتفاق الصيد البحري، وهناك في المقابل واقع سياسي واستراتيجي يرى في المغرب شريكا لا غنى عنه في مجالات الهجرة، الأمن، الطاقة، والتجارة.
في خريف 2025، بدا واضحا أن الاتحاد الأوروبي، رغم الجدل القانوني، يتجه إلى تسوية عملية تُتيح مواصلة التعاون مع المغرب مع إدخال آليات تقنية جديدة تتعلق بوسم المنتجات وتتبع المنشأ.
البرلمان الأوروبي رفض في أواخر نونبر محاولات تعطيل الاتفاق الفلاحي الجديد، فيما أعطت المفوضية الأوروبية الضوء الأخضر لإعادة فتح مفاوضات اتفاق صيد بحري محدّث وهكذا ظهرت أوروبا وكأنها تُدير "مفارقة متوازنة" في احترام المسطرة القضائية من جهة، والحرص على عدم خسارة الرباط كشريك استراتيجي من جهة أخرى.
بعيدا عن نيويورك وبروكسل، كانت الرباط تبني بهدوء جبهة أخرى على مستوى الأطلسي وإفريقيا فمنذ خطاب 6 نونبر 2023، رسم الملك محمد السادس ما سُمي بـ"المبادرة الأطلسية" لكن 2025 كانت سنة وضع اللبنات التنفيذية الأولى.
في 28 أبريل، احتضنت الرباط لقاء مركزيا مع وزراء خارجية مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بهدف تسريع تمكين دول الساحل غير الساحلية من الوصول السيادي إلى المحيط الأطلسي عبر التراب المغربي ولم يعد الأمر مجرد فكرة دبلوماسية بل صار مشروعا يرتبط بميناء الداخلة الأطلسي قيد الإنجاز والمتوقع اكتماله خلال 2028، وأنبوب الغاز نيجيريا–المغرب الذي أصبح أكثر من رمز وممرات لوجستية وتجارية يُعاد تخطيطها لتجعل المغرب واجهة بحرية لدول تبحث عن تنفس اقتصادي خارج أزمات الإقليم.
هذا البعد الأطلسي لم يكن اقتصاديا فقط، كان أيضا ردا جيوسياسيا على تحولات عميقة في الساحل مثل انسحاب بعض القوى التقليدية، صعود أخرى، فراغ استراتيجي، وتنافس على النفوذ بين روسيا، قوى أوروبية تائهة، وجيران إقليميين يسعون لإثبات حضورهم.
في وسط كل ذلك، قدّم المغرب عرضا مختلفا فبدل الطرح الأمني الثقيل، يوجد عرض تنموي اقتصادي يعطي للساحل منفذا جديدا ويحوّل الأقاليم الجنوبية للمملكة من مجرد "أراضٍ محل نزاع قديم" إلى "مفصل استراتيجي جديد" بين إفريقيا والأطلسي.
في العمق، تظهر سنة 2025 كسنة إعادة تعريف للصحراء نفسها من ملف نزاع إلى محور استراتيجية فبينما كانت الرباط تحصد اعترافات سياسية من مجلس الأمن وعواصم كبرى، كانت تُهيئ في الوقت ذاته أرضية عملية تجعل من الصحراء جزءا من ديناميكية تنموية أوسع تشمل ميناء الداخلة الضخم، الاستثمارات الطاقية، المشاريع البحرية، وجعل الواجهة الأطلسية منصة اقتصادية لبلدان الساحل.
حتى القوة الناعمة لم تكن خارج هذا المسار، فاحتضان المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025 في دجنبر وما رافقه من إشادة بتنظيمه كان أيضا جزءا من سردية دولة مستقرة وقادرة وذات قدرة على إدارة أحداث كبرى، وهي عناصر تجد صداها في ملفات السياسة الخارجية والتموقع الدولي كما أضاف إدراج القفطان المغربي ضمن التراث اللامادي لليونسكو في دجنبر 2025 بعدا ثقافيا يعزز هذه الصورة.
عند نهاية العام، يبدو أن المغرب خرج من 2025 ليس فقط بأرقام وقرارات بل بواقع سياسي جديد يفيد بأن مجلس أمن يعترف ضمنيا بأن الحكم الذاتي هو الإطار الوحيد العملي، ثلاث قوى كبرى داعمة، أوروبا مضطرة للتعامل البراغماتي، إفريقيا ترى في المغرب شريكا أطلسيا لا مجرد جار شمالي، ومشروع جيوسياسي ممتد نحو المستقبل.




