القوة الناعمة لكرة القدم.. المغرب في قلب الدبلوماسية الرياضية
في عالم مضطرب، ينجح المغرب في الحفاظ على مساره ويُثبت نفسه كمحطة لا غنى عنها على الساحة الدولية. والرياضة واحدة من أقوى أدواته. إنها قصة تحول مثيرة، حيث تتحول الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى أداة دبلوماسية فاعلة تضع المملكة على خارطة التأثير العالمي.
لم تكن استضافت المغرب كأس الأمم الإفريقية 2025 مجرد تنظيم لحدث رياضي كبير. لقد كانت لحظة تاريخية تحولت فيها الملاعب إلى منابر لإعلان رسالة واضحة: "المغرب جاهز، موثوق ويمكن الاعتماد عليه".
استثمارات تفوق 15 مليار درهم أنتجت 6 ملاعب عالمية جديدة، وخلقت 65 ألف فرصة عمل، البنية التحتية الرياضية المتطورة، والتجهيزات اللوجستية التي تضاهي أفضل المعايير العالمية، والأمن الذي حظي بإشادة دولية - كلها عناصر شكلت صورة جديدة للمملكة كدولة قادرة على إدارة ملفات كبرى باحترافية عالية. وهذا يعزز مكانة المملكة كأمة رائدة في القارة ويؤكد الاستراتيجية الملكية التي تجعل من الرياضة ركيزة للتنمية والإشعاع.
شكلت الكان 2025 كذلك دفعة قوية للرياضة المغربية. ملاعب ومراكز تدريب عالمية المستوى أصبحت متاحة لجميع الرياضات وتوفر ظروفًا مثالية للإعداد. هذه الدينامية ستعزز احترافية الجامعات والأندية المغربية، وتسهل اكتشاف المواهب الواعدة في جميع ربوع المملكة.
الحماسة الجماهيرية التي خلقتها البطولة ستحفز الممارسة الرياضية على مستوى الناشئة وستزيد عدد الممارسين. وبفضل مرافق متعددة الاستخدامات، سيعمّ إرث البطولة ألعاب القوى وغيرها من الرياضات. وهكذا يبني المغرب بأدوات ملموسة جيل من الأبطال ويرسي قوة رياضية مستدامة ومتجذرة. كما تؤكد الرياضة نفسها كركن للتعليم والتماسك الوطني، تلهم الشباب وتجعل النجاح حلمًا يمكن تحقيقه.
في هذا السياق، تذكرنا الباحثة بشرى الحافظ في مقال "الدبلوماسية الرياضية للمغرب: تحويل القوة الناعمة إلى نجاحات جيوسياسية" بأن الرياضيين والفرق الوطنية هم أكثر من مجرد متنافسين؛ إنهم سفراء للهوية الوطنية ولقيم السلام والحوار.
إنهم يمتلكون قدرة فريدة على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية، كما حدث في تجارب تاريخية مثل "دبلوماسية تنس الطاولة". وبأدائهم الملهم، فإنهم يزرعون الأمل ويشجعون الأجيال الصاعدة على السعي نحو التميز ويلهمون الأجيال القادمة، مجسدين قيمًا عالمية من الجراءة والمثابرة والروح الرياضية النبيلة.
هذه الروح الرياضية بالتحديد، وهذا الأناقة في المنافسة، اللذان يظهرهما المغاربة، يشهدان على قيم أمة عظيمة – أمة يتجاوز نفوذها وإشعاعها حدود الملعب بكثير. السلوك الرياضي المثالي الذي يبديه المغاربة في المحافل الدولية هو ترجمة حية لرقي المجتمع وأصالة قيمه. وبذلك، يعد نجاح الكان 2025 خطوة استراتيجية في مسيرة طويلة تهدف إلى تعزيز الوجود المغربي رياضيًا ودبلوماسيًا على المستوى العالمي، معززًا بثقة كبيرة في المستقبل.
ختاماً، الطريق الذي اختاره المغرب واضح: تحويل الرياضة من نشاط هامشي إلى قطاع استراتيجي يساهم في التنمية البشرية، ويعزز الصورة الدولية، ويخلق فرصًا اقتصادية، ويعمق الروابط الدبلوماسية. الكان 2025 لم تكن نقطة نهاية، بل كانت محطة انطلاق نحو آفاق أرحب، حيث يطمح المغرب ليس فقط لفوز فرقه بالبطولات، بل للفوز بقلوب وعقول الشعوب، وإثبات أن للقوة وجها ناعمًا يمكنه تحقيق ما تعجز عنه القوة الخشنة أحيانًا.
باحث في العلوم السياسية



