حسن ناجح
الثلاثاء 20 يناير 2026 - 1:21

المغرب في مرآة إفريقيا

كأس الأمم القاري: حين تتحوّل التظاهرة إلى معركة للسرديات

أكتب هذه السطور وأنا أستحضر صورةَ لاعبي منتخبنا الوطني والجمهور وهم يغادرون الملعب بخيبة أملٍ لا تخفى. نعم، خسرنا الكأس، وهذه هي طبيعة كرة القدم. لكنني، كمواطن مغربي تابعت هذه الدورة عن كثب، أقولها بلا مواربة: لقد كسبنا معركة التنظيم، وخسرنا معركة القلوب. والفجوة بين هذين المشهدين هي السردية الحقيقية التي ينبغي أن تُروى، لا الاكتفاء بالحديث عن ملاعب وشهادات تنظيمية والضجيج الذي غذّته منصات التواصل الاجتماعي خلال الكان.  

ليست كأس أمم إفريقيا مجرد تسعين دقيقة تُحسم بهدف أو بركلات ترجيح، بل اختبار قاري لمعنى أعمق: كيف تُقرأ قوة المغرب حين يستضيف إفريقيا، وكيف تُؤوَّل "القدرة" حين تُعرض في فضاء مثقل بالذاكرة، والحساسية ما بعد الاستعمارية، والتنافس على الشرعية الرمزية. قد نربح مباراة ونخسر أخرى، لكن الربح الحقيقي هنا ليس رياضيًا؛ إنه ربح في المعنى أو خسارة في السردية. فالشرعية لا تُحسم في الملعب، بل خارجه: في المخيال الإفريقي، وفي الفضاء الرقمي، وفي التفاصيل الصغيرة التي تُؤوَّل أكثر مما تُشاهَد.

فكأس أمم إفريقيا، أو الكان، بهذا المعنى، ليست حدثًا رياضيًا فقط، بل محفّز سياسي ورمزي واجتماعي يكشف مفارقة مركزية في مسار بروز المغرب: نجاح واضح في صناعة القوة الواقعية — تنظيم، أمن، بنى تحتية، لوجستيك — يقابله التباس في الاعتراف الرمزي بهذه القوة داخل إفريقيا جنوب الصحراء. وهنا يبرز السؤال المركزي: لماذا يتحول إعجاب بعض الدول الإفريقية بقدرتنا التنظيمية إلى ريبة من نوايا المملكة؟

 لقد لاحظت بنفسي، أثناء متابعتي للتعليقات الإفريقية على مواقع التواصل، ثنائيةً مربكة: إشادة بالجودة، وتشكيك في الدوافع. وهذا بالضبط ما يجعلني أعتقد أننا أمام إشكال وجودي، لا مجرد خلل تقني.

وتؤكد قراءات وتحليلات إفريقية مستقلة أن هذا التوتر لا يعود إلى غياب الروابط، بل إلى فجوة متزايدة بين خطاب رسمي مغربي يتحدث عن شراكة "رابح–رابح"، وبين إدراك محلي يتسم بالتحفظ، وأحيانًا بالعداء. وكأن القوة، حين لا تُترجم إلى عدالة محسوسة وشعور بالمشاركة، تنقلب في المخيال العام إلى هيمنة مقنّعة.

للوهلة الأولى، تبدو استضافة الكان تتويجًا طبيعيًا لبروز المغرب: استقرار سياسي، جاذبية سياحية، تجهيزات حديثة، وفعالية تنظيمية مشهودة، خصوصًاالمشروع الملكي لتطوير كرة القدم. غير أن المفارقة أن النجاح، حين يُعرض بهذه الكثافة، لا يستدعي الإعجاب وحده؛ بل يستدعي التأويل أيضًا. وما يزيد هذا التأويل حدةً هو البعد الاجتماعي-الاقتصادي الكامن خلف الحدث. فأنا، شخصيًا، وجدت نفسي أتساءل: هل ستُقرأ الاستثمارات الضخمة التي رُصدت لهذه الدورة ككرمٍ جماعي ورهان قاري، أم كاستعراض ثروة في قارة لا يزال الفقر فيها تجربة يومية لملايين البشر؟

ولا يقتصر سوء الفهم على الرموز، بل يمتد إلى ميدان الاقتصاد نفسه. ففي عدد من المجتمعات الإفريقية، يُنظر إلى الحضور الاقتصادي المغربي، رغم توسعه، لا كشراكة منتجة بالضرورة، بل كنموذج يستفيد أكثر مما يُشرك، ويُراكم القيمة دون أن تنعكس آثارها دائمًا على النسيج المحلي، بل يذهب البعض إلى اتهام المغرب باعتباره امتدادًا لنفوذ خارجي أو وكيلًا لمصالح قوى كبرى. سواء كانت هذه القراءة منصفة أم لا، فإنها تترسخ بوصفها إدراكًا جماعيًا يُغذّي الشك في نوايا المغرب تجاه شركائه الأفارقة.

إن تصوير المغرب كفاعلٍ حديثٍ أو طارئٍ في إفريقيا جنوب الصحراء يقوم على مفارقة تاريخية عميقة. فالعلاقات بين المغرب وعمقه الإفريقي ليست وليدة اليوم، بل تمتد عبر زمن طويل صنعته الطرق العابرة للصحراء، والتبادلات التجارية، وحركات العلماء والمتصوفة، وامتداد الطرق الصوفية التي ربطت فاس وتمبكتو وكانو وداكار. غير أن هذا العمق لم يعد يهيكل المخيال المعاصر؛ فالاستعمار ثم استقلالات الدول الإفريقية قطّعت الاستمراريات الرمزية، وزاد الغياب المغربي الطويل عن المؤسسات الإفريقية من جعل تلك الروابط غير مسموعة. المشكلة ليست في غياب التاريخ، بل في عدم تزامن الذاكرات السياسية: تاريخ مشترك لم يعد يُنتج سردية جامعة.

 وفي هذا المنوال، أتذكر جيدًا منشورًا لأحد النشطاء السنغاليين خلال الدورة المقامة بالمغرب، كتب فيه: "شكرًا للمغرب على التنظيم الرائع، لكنني أشعر أنني في فندق فاخر حيث المضيف يحدد قواعد اللعبة". هذه العبارة، على قسوتها، تختزل إشكالًا لم نتعلم بعد كيف نقرأه: ضيافة تُستقبل أحيانًا بوصفها تراتبية، لا شراكة.

ومن هذا المنطلق أعرج على ما أسميه "سوق الشرعية الإفريقي" وموقع المغرب فيه. بينما نحن نراكم شهادات تنظيمية ملموسة، تظل الجزائر، في قطاعات واسعة من المخيال الإفريقي، "ابنة النضال"، "مكة الثوار" بفضل رصيد ذاكراتي مرتبط بحرب التحرير. وهنا تبرز المفارقة الأشد إيلامًا، بل أستحضر سؤالًا طرحه عليّ صديق إيفواري: "لماذا تشعرون بالحاجة إلى إثبات إفريقيتكم، بينما نحن لا نشك فيها أصلًا؟" . السؤال في جوهره ليس اتهامًا، بل تشخيص لمأزق سردي: نحن نُتقن لغة الإنجاز، لكننا لم نحسم بعد لغة الذاكرة والعاطفة. أما مصر، فإفريقيتها بديهية بفعل التاريخ والمؤسسات. ويقدّم السنغال نموذجًا مختلفًا لقوة ناعمة أخلاقية وثقافية تجعل الاستضافة فضاء حوار لا عرض تفوق. هذه المقارنات لا تُدين المغرب، لكنها تفسّر لماذا تُقابل قوته الأدائية بحساسية أكبر: لأن شرعية الأداء ليست هي شرعية الذاكرة.

وتتعقّد الصورة أكثر بفعل الشكوك الجيوسياسية. ففي بعض التيارات الإفريقية السيادية، لا يُنظر إلى المغرب كفاعل مستقل تمامًا، بل كجزء من إعادة تشكيل نفوذ غربي متراجع في القارة. كما أن خياراته الجيوسياسية الحديثة أثّرت، لدى شرائح دينية وشعبية، على رمزيته التقليدية، وفتحت الباب أمام قراءات تشكك في موقعه ودوره.

وتأتي قضية الصحراء لتعمل كعدسة تضخيم لهذه التوترات. فهناك من يدخل إلى الكان وهو يحمل سردية جاهزة عن "الاحتلال" و"تقرير المصير"، تشكّلت عبر عقود من الخطاب السياسي. نحن هنا أمام معادلة خطيرة نعيشها يوميًا: حقائق على الأرض تصطدم بروايات راسخة في العقول. والوقائع، مهما كانت قوية، لا تُسقط السرديات تلقائيًا، بل تدخل معها في تنافس غير متكافئ.

ولا يمكن فصل حدّة بعض حملات التشكيك التي رافقت هذه الدورة عن تحولات أعمق في ميزان التمثيل الإفريقي داخل النظام الدولي. فثمة نقاش متصاعد، في الأوساط الدبلوماسية والإستراتيجية، حول إعادة هيكلة مجلس الأمن ومنح إفريقيا مقعدًا دائمًا، وفي هذا السياق يُطرح اسم المغرب، بشكل متزايد، كأحد المرشحين الجديّين للاضطلاع بدور تمثيلي قارّي محتمل.

هذا الاحتمال، بحدّ ذاته، لا يُقرأ باعتباره مسألة رمزية فقط، بل كتحوّل في موازين النفوذ والوساطة داخل إفريقيا. ومن الطبيعي، في منطق العلاقات الدولية، أن تُقابَل مثل هذه الإمكانيات بحملات تحجيم وتشكيك واستباق، خصوصًا من أطراف ترى في صعود فاعل إفريقي معيّن تهديدًا لمواقعها أو لسرديتاها المهيمنة. في هذا الإطار، تغدو الكان، بما توفره من منصّة رمزية عالية الانتشار، ساحةً مثالية لإعادة إنتاج صراعات النفوذ بلغة رياضية ظاهريًا، لكنها سياسية في العمق.

ويزداد هذا التنافس حدّة حين تترافق البطولة مع اتهامات بالفساد أو الانحياز التحكيمي، سواء صدرت عن جماهير أو إعلاميين أو مسؤولين رياضيين في بلدان إفريقية مختلفة. وسواء كانت هذه الاتهامات دقيقة أم انفعالية، فإن خطورتها تكمن في أثرها الرمزي: حين تتحول الكان، في مخيال جزء من الرأي العام الإفريقي، إلى محاكمة أخلاقية تُغذّي سرديات الهيمنة واللاعدالة.

ولا يمكن، في هذا الصدد، تجاهل مشاهد الابتهاج المفرط التي سُجلت في بعض البلدان المجاورة كالجزائر وموريتانيا عقب هزيمة المنتخب المغربي. فبعيدًا عن فرح رياضي مشروع، كشفت بعض الخطابات عن مدلول مضادٍّ لمعنى الجوار والأخوّة، حيث تحوّلت الخسارة إلى مناسبة لتصفية حسابات رمزية، ما يذكّر بأن كرة القدم في إفريقيا لم تعد منفصلة عن السياسة والذاكرة الجريحة.

في هذا الخضم السردي المتشابك، تلوح في الأفق ظاهرة إعلامية دولية جديرة بوقفة تأمل نقدي. إذ لم تعد بعض المنصات الرياضية العابرة للحدود، ذات الإمكانات المالية الضخمة والرهانات الجيوسياسية المعلنة، تكتفي بدور الناقل المحايد للحدث، بل انزلقت إلى موقع الفاعل داخل صراعات النفوذ الرمزي. وقد سجّل عدد من المتابعين انحرافاً تحريرياً ملحوظاً في بعض التغطيات، اتسم بالإفراط في إبراز الهفوات وتكبير الشبهات، مقابل تغييب شبه تام للإنجازات المثبتة التي نوّهت بها تقارير تقنية مستقلة.

ولا يمكن فصل هذا المنحى عن منطق القوة الناعمة الذي يحكم الجغرافيا السياسية المعاصرة. فمع تحوّل الرياضة إلى رافعة مركزية في الدبلوماسية العامة، بات كل نجاح تنظيمي يحققه فاعل إقليمي يُستقبل في بعض الدوائر بوصفه إزاحة محتملة في توازنات النفوذ الرمزي، فيُجابَه بحرب تأويلية ناعمة تُدار بالكاميرا والخطاب. وبهذا، تنزاح التغطية الإعلامية من مجرد نقل للوقائع إلى أداة لإعادة توجيه الرأي العام، بما يفرغ الرياضة من بعدها الجامع ويزجّ بها في صراعات لا تعترف بفكرة الحياد.

لكن هذا الصخب الجيوسياسي العابر للحدود لا يعفينا من مسؤولية الإيغال في الذات المغربية؛ فالضجيج الخارجي ليس إلا صدىً لتساؤلات داخلية مؤجلة، ولا يلغي مسؤوليتنا كمغاربة في قراءة واقع علاقاتنا بإفريقيا، شريطة أن نبتعد عن الشعبوية، لتكون القراءة النقدية شجاعة وصريحة. وعند هذه النقطة تحديدًا، يبدو لي أن هذا الصخب الإعلامي حول الدورة المنظمة ببلادنا يولّد تنافرًا معرفيًا داخل المجتمع المغربي نفسه. وهنا أشعر بالتناقض في أعماقي: فخر لا يُخفي شعورًا بالغربة. لأول مرة، كمواطن مغربي، أتساءل بمرارة: هل صورة "الدركي المتقدم" التي يرسمها بعض إخوتنا الأفارقة عنا هي، جزئيًا، انعكاس لصورتنا نحن عن أنفسنا؟

وقد شكّلت هذه الكان، في عمقها، لحظةَ الصدمة الكهربائية الحقيقية لاستفاقة الوعي المغربي. فبعيدًا عن نشوة التنظيم والفخر المشروع، أيقظت المواطن المغربي من سبات المثالية البانإفريقية الساذجة، التي افترضت أن حسن النية،  وحسن الاستقبال، والروابط التاريخية، وخطاب الأخوّة كافية لبناء قبول قاري تلقائي. الواقع الذي عكسته التفاعلات الإفريقية، بحدّتها وتناقضها، أعاد طرح الحقيقة كما هي: إفريقيا اليوم تُدار بمنطق المصالح قبل العواطف، وبحسابات الربح المتبادل أكثر مما تُدار بالذاكرة المشتركة وحدها.

بيد أن هذا الانتقال في الوعي لا يعني السقوط في البراغماتية الباردة أو الانكفاء الأناني، بل يفرض يقظة دائمة. فاختلاف البُنى الثقافية، وتباين الخيارات السياسية، وثقل الهيمنة العالمية التي تضغط على دول القارة بطرق غير متكافئة، تجعل من كل شراكة إفريقية مجالًا حساسًا يتطلب حذرًا استراتيجيًا، لا ثقة عمياء. هكذا تتحول الكان من بطولة رياضية إلى درس واقعي قاسٍ: إفريقيا ليست فضاء نوايا طيبة فقط، بل ساحة مصالح متقاطعة، ومن لا يقرأ هذا الواقع بوعي نقدي، يُخاطر بأن يُساء فهمه أو يُستعمل أو يُقصى رمزيًا.

وتشير تقارير عديدة إلى أن الشرخ الثقافي والإنساني — من اتهامات بالعنصرية، إلى معاناة مهاجرين وطلاب، إلى مآسٍ حدودية — هو العائق الأكبر أمام القوة الناعمة المغربية. هذه الصورة، مهما كانت ظالمة في بعض جوانبها، تملك قوة رمزية مدمرة إن لم تُواجَه بشجاعة أخلاقية لا بخطاب إنكاري وبعض المحاولات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

من جهة أخرى، ومن خلال متابعتي لهذه الدورة، وجدت نفسي أتأرجح بين فخر المغربي وخوف المواطن على علم بالواقع الفكري لبلاده. فخر بقدرة بلدي على استقبال القارة بمستوى عالمي، وخوف من أن تتحول هذه القدرة إلى غرور يوسّع الهوة بدل أن يردمها. هذا التناقض ليس ضعفًا، بل بداية الحكمة.

ففي العصر الرقمي، تتخذ هذه المعركة بعدًا أشد. نبني الملاعب، لكننا نتأخر في بناء السردية المناسبة. نستثمر في الإسمنت واللوجستيك، ونترك المعنى لغيرنا كي يملأه. الفضاء الرقمي الإفريقي لا ينتظر بيانات رسمية، بل حضورًا إنسانيًا حيًا: وجوهًا، قصصًا، لغة قريبة، وحوارًا حقيقيًا مع المجتمعات لا فوقها.

وهنا يطرح سؤالًا مباشرًا: بين الفخر بالتنظيم والقلق من الغرور، أين تقف أنت؟

غير أنّ النقد، إن كان صادقًا، لا ينبغي أن يتوقف عند الخارج وحده. فداخل الفضاء الرقمي المغربي نفسه، ساهم بعض المؤثرين وصنّاع المحتوى، عن قصد أو عن اندفاع، في تغذية السرديات ذاتها التي نشتكي منها. حين يُقال، بنبرة تفاخرية، إن هذه "أفضل كان في التاريخ"، أو إن المغرب "سبق الدول الإفريقية بسنوات ضوئية"، فإن الخطاب ينتقل من الاحتفاء المشروع بالإنجاز إلى استعراض تفوّق رمزي جارح. أو مثل ذلك المنشور الذي انتشر لمؤثر مغربي يقول:  "لن نستضيف إفريقيا مرة أخرى إن استمر هذا الجحود".  

 هذا النوع من الكلام، مهما كانت نواياه وطنية، يُقرأ في الخارج بوصفه تعبيرًا عن تعالٍ لا عن ثقة، وعن قطيعة لا عن شراكة، بل كتهديد، فيُحوِّل الإنجاز إلى عبء رمزي بدل أن يكون جسرًا للتقارب.

فمرآة الكان كشفت أنه ليس أمامنا غير ثلاث طرق لمعالجة هذا الانعكاس السلبي: طريق الجمود، وهو طريق الفشل البطيء، طريق التجميل، وهو خداع الذات ببريق النجاح، وأخيرًاطريق الشجاعة — الطريق الوحيد الجدير بطموحاتنا — أن نتحول من منظِّمين للقارة إلى شركاء في أحلامها؛ أن نستثمر في الثقافة كما نستثمر في الملاعب، في الإنسان كما في البنية، وفي الإصغاء بقدر ما نستثمر في العرض.

فبعد هذه التجربة، يبدو جليًّا أن هذه المرآة الإفريقية قاسية في صدقها، إذ تعكس ليس ما نريد أن نرى، بل ما نكون عليه في عيون الآخرين.  وبالتالي، لن تتحقق شرعيتنا الإفريقية بمزيد من المطارات المتطورة أو الفنادق الفاخرة، بل بلحظة صدق تاريخي نعترف فيها بأن القوة الحقيقية ليست في تنظيم إفريقيا، بل في الإنصات إليها. عندها فقط تتحول القوة الأدائية إلى قوة علائقية، ويصبح الحضور المغربي في إفريقيا معنى مشتركًا لا مجرد إنجاز معروض.

وفي ختام هذا النقاش، لعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه، نحن المغاربة، هو أن الكان قد مرّت، لكن المرآة التي رفعتها أمامنا ستبقى لتعكس أن علاقتنا بإفريقيا تحتاج إلى قدرٍ أقل من الانفعال وقدرٍ أكبر من الوعي وإلى إدراك أن معركة التموقع لا تُكسب بالرد على كل اتهام، بل بالعمل الصامت والمتواصل الذي يغير الوقائع على الأرض. ليس مطلوبًا منا أن نطلب التصفيق، ولا أن ننجرّ إلى ردود فعل دفاعية أو استعلائية كلما واجهنا نقدًا أو جحودًا. المطلوب، بدل ذلك، هو أن نُدرك أن القارة ليست كتلة واحدة، ولا ذاكرة واحدة، ولا موقفًا واحدًا، وأن التعامل معها يقتضي صبرًا استراتيجيًا، وتواضعًا ثقافيًا، وقدرة على الإصغاء بقدر ما نستثمر في الإنجاز.

 ربما تحتاج دبلوماسيتنا الإفريقية إلى صبر البناء أكثر من سرعة الرد، وإلى تواضع المشاركة أكثر من فخر التنظيم. فالقبول الرمزي لا يُمنح، بل يُكتسب عبر تفاصيل صغيرة تكمن في تصرفات المواطن المغربي وإيمانه بمشروع دولته. فعلى المغربي أن يحافظ على فخره المشروع بما أنجزه بلده، لكن دون أن يتحوّل هذا الفخر إلى شعور بالتفوّق أو إلى خطاب إقصائي. إفريقيا لا تُكسب بالاستعراض، بل تُبنى بالثقة المتراكمة، وبالاحترام المتبادل، وبحضور إنساني صادق في تفاصيل الحياة اليومية، لا في المناسبات الكبرى فقط. وحده هذا التوازن — بين الاعتزاز بالذات واليقظة النقدية — كفيل بأن يحوّل صدمات اليوم إلى حكمة الغد، ويجعل من حضور المغرب في إفريقيا مشروعًا طويل النفس، لا لحظة عابرة في مرآة بطولة رياضية.

"فلا تُقاس القوّة بما نُنجزه، بل بما يفهمه الآخرون من هذا الإنجاز".

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة

الدروس المستخلصة من تنظيم "الكان"!

انتهت بطولة كأس أمم إفريقيا، اليوم، بتتويج المنتخب السنغالي باللقب، حيث رفع قائد أسود "التيرانغا" ساديو ماني الكأس التي سيحملها إلى داكار للاحتفال مع شعبه، وبذلك سيعود الكل إلى حاله بعد ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...