تراجع الفاتورة الطاقية للمغرب إلى 9,8 مليار دولار بانخفاض ناهز 5,3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024

 تراجع الفاتورة الطاقية للمغرب إلى 9,8 مليار دولار بانخفاض ناهز 5,3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024
الصحيفة - خولة اجعيفري
الأحد 4 يناير 2026 - 15:00

سجلت الفاتورة الطاقية للمغرب تراجعا ملحوظا مع نهاية نونبر 2025 لتستقر عند حوالي 98,69 مليار درهم (ما يقارب 9.8 مليار دولار)، بانخفاض يناهز 5,3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، وهو الانخفاض الذي يسلط الضوء على هشاشة معادلة التبعية الطاقية وحدود قدرة الاقتصاد الوطني على حماية توازناته في مواجهة موجات أسعار غير مستقرة.

وجاء ذلك، ضمن تقرير لمكتب الصرف، حيث تفيد معطياته بتراجع الفاتورة الطاقية للمغرب مع نهاية نونبر 2025 بشكل يكشف عن مفارقة بنيوية بين اقتصاد واصل توسيع وارداته السلعية الإجمالية، وفي الوقت نفسه استفاد من "هدنة" في أسعار الطاقة العالمية من دون أن يغيّر بعدُ جوهر تبعيته الطاقية.

وبحسب معطيات مكتب الصرف، فقد بلغت الفاتورة الطاقية أزيد من 98,69 مليار درهم عند متم نونبر 2025، مسجلة انخفاضا بنسبة 5,3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، رغم أن حجم الواردات من بعض المواد الطاقية سجل ارتفاعا وهذا يعني أن ما تغيّر أساسا هو الثمن وليس الحاجة فالاقتصاد المغربي استورد طاقة أكثر، لكن بأقل كلفة.

المعطى الأبرز في هذا السياق يتعلق بالغازوال والفيول، وهما قلب سلة الواردات الطاقية فقد أظهرت نشرة مكتب الصرف أن قيمة واردات هذين المنتوجين تراجعت بنسبة 9,6 في المائة، متأثرة بانخفاض الأسعار في السوق الدولية بنحو 15 في المائة، في حين ارتفعت الكميات المستوردة بنسبة 6,3 في المائة.

وهذه المفارقة، بين كميات أعلى مقابل قيمة إجمالية أقل تعكس بوضوح الأثر المباشر لتقلبات الأسعار الدولية على الفاتورة الطاقية الوطنية فعندما تنخفض الأسعار، يملك الاقتصاد هامشا أوسع لتلبية الطلب الداخلي دون انفجار في الكلفة لكن عندما ترتفع، يتجلى العكس بسرعة في الميزان التجاري وفي مستويات التضخم.

المعطيات الرسمية نفسها تشير إلى أن وقع الأسعار لا يقتصر على الغازوال والفيول فقط فواردات صنف غاز البترول والمحروقات الأخرى سجلت بدورها تراجعا بنسبة 7,1 في المائة، لتستقر عند حدود 17,98 مليار درهم.

وهذا الانخفاض ساهم هو الآخر في تقليص الضغط على الفاتورة الطاقية الإجمالية خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من السنة، ومنح هامشا إضافيا للتخفيف من حدة العجز التجاري الذي تشكل الطاقة أحد مكوناته الرئيسية.

مع ذلك، لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن صورة المبادلات الخارجية ككل فرغم تراجع الفاتورة الطاقية أظهرت معطيات مكتب الصرف أن واردات السلع واصلت منحاها التصاعدي، إذ ارتفعت بنسبة 9,2 في المائة إلى غاية متم نونبر، متجاوزة 725,34 مليار درهم مقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية.

وهذا التطور يعكس وفق قراءات متعددة، انتعاشا في الطلب الداخلي وتزايدا في حاجيات عدد من القطاعات الإنتاجية  لاسيما على مستوى المواد الخام ومعدات الاستثمار والسلع الاستهلاكية بمعنى أن الاقتصاد المغربي يستورد أكثر  ليس فقط في الطاقة، بل في مختلف مكونات سلاسل الإنتاج والاستهلاك.

وهنا، تتضح ملامح معادلة معقدة من جهة، انخفاض الفاتورة الطاقية يمنح بعض الأكسجين للميزان التجاري، ويخفف الضغط على المالية العمومية وعلى الاحتياطات من العملات الصعبة ومن جهة ثانية، استمرار ارتفاع الواردات الإجمالية يبقي ميزان المبادلات التجارية تحت ضغط، في ظل اعتماد الاقتصاد الوطني على الخارج لتلبية جزء مهم من حاجياته الصناعية والاستهلاكية فضلا عن اعتماده الكبير على استيراد المحروقات لتغطية الطلب الداخلي على الطاقة.

هذا ما يجعل الفاتورة الطاقية عنصرا حاسما في تكوين العجز التجاري للمغرب فهي تعكس هشاشة هيكلية مرتبطة بمزيج طاقي لا يزال يعتمد بشكل واسع على المنتجات البترولية المستوردة في ظل تقلبات حادة تشهدها أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، كانت هذه الفاتورة مرآة مباشرة للتوترات العالمية بما فيها ارتفاع قياسي سنة 2022 تحت تأثير الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة عالميا، ثم اتجاه نزولي نسبي في 2023 و2024 مع تراجع الأسعار وتحسن شروط التموين، قبل أن يتواصل هذا التراجع في 2025 رغم تنامي الطلب الداخلي.

التركيبة الحالية للفاتورة الطاقية توضح حجم هذا الاعتماد، فهي تتكون أساسا من واردات الغازوال والفيول التي تمثل الحصة الأكبر من إجمالي الواردات الطاقية، إضافة إلى غاز البترول والمحروقات الأخرى.

وهذا التركيب يجعل الاقتصاد الوطني شديد الحساسية لأي تغير في الأسعار العالمية فكل ارتفاع في سعر برميل النفط ينعكس مباشرة على كلفة الواردات وعلى أسعار المحروقات في السوق الداخلية، وبالتالي على مستويات التضخم وعلى كلفة النقل والإنتاج في مختلف القطاعات.

في المقابل، تحاول الاستراتيجية الطاقية الوطنية كسر جزء من هذه الحلقة عبر المراهنة على الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية فالأهداف المعلنة في هذا المجال تكمن في رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي، تقليص الاعتماد على الخارج، وتشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر تتحرك، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى يسمح بتحييد أثر الصدمات الكبرى في سوق النفط على الفاتورة الطاقية.

لذلك، يربط كثير من الخبراء بين الأرقام الحالية وبين سياق ظرفي أكثر منه تحوّلا بنيويا بما فيه تراجع الفاتورة الطاقية اليوم نتيجة مباشرة لانخفاض الأسعار الدولية، وليس بعد نتيجة لاكتفاء ذاتي طاقي أو لقفزة نوعية في الإنتاج المحلي.

مع ذلك، فإن هامش الانفراج الحالي يحمل دلالات مهمة لصناع القرار فهو يمنح فترة "تنفس" يمكن استغلالها لتسريع وتيرة الانتقال الطاقي بدل الاكتفاء باستقبال الأرقام بإحساس مؤقت بالطمأنينة فكل درهم يتم توفيره من تراجع تكلفة الواردات الطاقية يمكن أن يتحول نظريا إلى استثمار في بنية تحتية للطاقة المتجددة أو في برامج النجاعة الطاقية في الصناعة والنقل والسكن ما يسمح على المدى المتوسط بتقليص حجم الفاتورة نفسها لا فقط قيمتها المحاسباتية المرتبطة بالأسعار.

السياق الدولي يزيد هذه القراءة إلحاحا، فأسعار الطاقة العالمية لم تعد تحكمها فقط منطق العرض والطلب الكلاسيكي بل باتت رهينة لعوامل جيوسياسية وأمنية معقدة من النزاعات الإقليمية إلى قرارات تحالفات المنتجين ومن التحول نحو الطاقات النظيفة في الاقتصادات المتقدمة إلى التقلبات المناخية التي تضرب سلاسل الإمداد وفي مثل هذا السياق يصبح الاعتماد على تقلب الأسعار كـ"هامش ارتياح" ظرفي معرّضا للانهيار مع أي صدمة جديدة.

لذلك يشير مراقبون كثر إلى أن تقليص كلفة الواردات الطاقية سيظل رهينا بعاملين متلازمين من جهة، اتجاه أسعار الطاقة في الأسواق الدولية وهو معطى خارجي لا يتحكم فيه المغرب، ومن جهة أخرى مدى تقدم المشاريع الوطنية في مجال الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية وهو مجال يمتلك فيه هامش قرار واسع وبالتالي بين هذين العاملين يتحدد مستقبل الفاتورة الطاقية كأحد المفاتيح المركزية لسيادة اقتصادية أكبر ولتخفيف العجز التجاري وتقوية قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات.

وفي المحصلة، تقول الأرقام إن المغرب أنهى نونبر 2025 بفاتورة طاقية أقل كلفة لكنه في الوقت نفسه بواردات سلعية إجمالية أعلى وباعتماد متواصل على الخارج لتأمين حاجياته من الطاقة والمواد الأساسية.

بيننا.. وبينهم !

وفق معطيات حصلت عليها "الصحيفة" فقد دخل المغرب من 18 دجنبر الماضي إلى تاريخ 4 الجاري حوالي 57 ألف جزائري قادمين من مختلف دول العالم، خصوصا من الجالية الجزائرية في ...

استطلاع رأي

مع قُرب انطلاق نهائيات كأس إفريقيا للأمم "المغرب2025".. من تتوقع أن يفوز باللقب من منتخبات شمال إفريقيا؟

Loading...