قيادي في التجمع الوطني للأحرار لـ"الصحيفة": الحزب بلا مرشحين وبلا ترشيحات لخلافة أخنوش.. والأسماء المتداولة إعلاميا لا تعكس حقيقة النقاش الداخلي
في خضم موجة تكهنات متسارعة حول مرحلة ما بعد عزيز أخنوش، تحوّل حزب التجمع الوطني للأحرار إلى ساحة تأويلات واستباق سياسي تُتداول فيها أسماء لخلافته قبل أن تُفتح رسميا مسطرة الترشيح أو يُناقش الموضوع داخل مؤسساته، فبينما تتضخم روايات "الخليفة الجاهز" تؤكد مصادر حزبية متفرقة لـ "الصحيفة" أن الحزب لم يحسم بعد في أي اسم ولم يتوصل إلى حدود الساعة بأي ترشيح ما يطرح أسئلة حول منطق صناعة الخلفاء خارج القنوات التنظيم.
ووفق المعطيات التي توصلت بها "الصحيفة" من مصدر قيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، فإن هذا الأخير لا يعيش في هذه المرحلة الدقيقة من مساره التنظيمي على إيقاع "سباق خلافة" أو تنافس خفي حول المواقع بقدر ما "يتحرك داخل منطق مؤسساتي صارم يقدّم القواعد والمساطر على الأشخاص ويؤجّل النقاش في الأسماء إلى حين نضوج شروطه التنظيمية"، وفق تقدير المصدر، الذي نفى بشدة أن يكون التجمع قد حسم، أو حتى ناقش، هوية من سيخلف عزيز أخنوش على رأس الحزب.
المصدر أكد لـ "الصحيفة" أن كل الأسماء المتداولة في الفضاء العام بما فيها أسماء ياسر الزناكي، ورشيد الطالبي العلمي، وحفيظ العلمي، ومحمد أوجار، "لا تمت بصلة إلى النقاش الداخلي الحقيقي، ولا تستند إلى أي معطى تنظيمي رسمي"، على حد تعبيره، معتبرا أن "الزج بهذه الأسماء في واجهة التداول الإعلامي لا يعكس سوى استعجال في القراءة ورغبة في إسقاط منطق الخلافة الجاهزة على حزب اختار منذ سنوات إدارة انتقالاته بمنطق مختلف".
في العمق، يضيف المصدر، لم تُودَع إلى حدود الساعة أي ترشيحات رسمية لدى اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الاستثنائي ولم يتوصل الحزب بأي طلب أو إعلان نية كما أن المكتب السياسي لم يتداول لا شكلا ولا مضمونا أي أسماء محتملة ولا توجد توجيهات من عزيز أخنوش حول خلفه فالمرحلة الحالية بحسب توصيفه، هي مرحلة تحضير تنظيمي وتقني خالص تُعنى بضبط المساطر وتأمين شروط انعقاد المؤتمر وليس بتوزيع الأدوار أو رسم خرائط النفوذ.
وهذا التمييز بين ما هو تنظيمي وما هو سياسي، يرى فيه المصدر "مفتاح فهم" ما يجري داخل التجمع مقابل ما أسماه "الضجيج الخارجي" الذي "يخلط بين النقاش الإعلامي والنقاش الحزبي الفعلي"، ويضيف أن قرار عقد مؤتمر وطني استثنائي في هذا التوقيت "لم يكن نتيجة ضغط داخلي أو تصدع في القيادة"، بل جاء باقتراح من رئيس الحزب نفسه في "انسجام تام مع النظام الأساسي الذي يحدد سقف الولايات ويتيح إمكانية التعجيل بعقد المؤتمر دون انتظار الآجال القصوى".
وبحسب المصدر، فإن هذه الخطوة تحمل دلالة سياسية واضحة وهي أن رئيس الحزب، عزيز أخنوش، الذي كان بإمكانه لو أراد الدفع في اتجاه تعديل القواعد أو تمديد ولايته، اختار الالتزام الحرفي بروح النص، مفضلا أن يُؤطّر الانتقال في لحظة هادئة، بدل تركه رهينة التأويلات أو الحسابات الظرفية وهو ما يفسر وفق المصدر ذاته، إصرار القيادة على تحييد منطق الأشخاص، والتركيز على استمرارية المشروع التنظيمي الذي انطلق منذ 2017، على حد توصيف المصدر.
غير أن هذا الخيار المؤسساتي، يضيف المصدر، لم يمنع بروز محاولات خارجية لـ"تصنيع خلفاء" في الفضاء الإعلامي والزج بأسماء بعيدة جدا وعبر تضخيم أسماء بعينها نوعا ما، وتقديمها كمرشحين طبيعيين أو محتملين في "استعادة لثقافة سياسية تقليدية، ترى في كل انتقال مناسبة لإعادة إنتاج منطق الوراثة الرمزية أو التنافس الشخصي"، وهي قراءة يعتبرها المصدر "اختزالية، لأنها تتجاهل طبيعة الحزب وبنيته وتتعامل معه كتنظيم تقليدي تحكمه موازين القوة لا كحزب بنى جزءا من شرعيته الداخلية على الانضباط للقواعد".
في هذا السياق، لا يتردد المصدر في وصف هذا المنحى بأنه "صناعة إعلامية للخلفاء" تُغذّيها الرغبة في السبق والتهويل أكثر مما تُغذّيها المعطيات، محذرا من أن تحويل النقاش إلى "بورصة أسماء" يُفرغ المسطرة الديمقراطية من معناها ويشوّش على الرأي العام، بل ويضغط بشكل غير مباشر على مسار لم ينضج بعد فالحسم يضيف لا يتم في المقالات ولا في التحليلات المتعجلة أو على مواقع التواصل الاجتماعي بل داخل المؤتمر وبالأصوات وبالترشيحات المودعة رسميا.
وعن الحديث المتكرر حول وجود "صراع صامت" داخل الحزب عقب اعتزال أخنوش السياسة، ينفي المصدر ذلك، معتبرا أن "هذه السردية تُسقط منطق الصراع على تنظيم اختار منذ سنوات إدارة الاختلاف داخله عبر النقاش المؤسساتي فغياب النقاش حول الأسماء ليس مؤشرا على احتقان مكبوت، بل دليل على أن النقاش لم يُفتح بعد لأن توقيته لم يحن تنظيميا".
ويضيف المصدر أن الرهان الحقيقي داخل التجمع لا يتعلق بمن سيقود الحزب بقدر ما يتعلق بكيفية ضمان انتقال يحافظ على التراكم التنظيمي وعلى شبكة التنظيمات الموازية والهيئات المهنية التي شُيّدت خلال السنوات الماضية والتي تُعد، في نظر القيادة العمود الفقري للحزب أكثر من أي اسم بعينه ومن هنا يوضح يأتي الحرص على أن يتم الانتقال دون قطيعة ودون منطق تصفية الحسابات أو إعادة ترتيب مراكز النفوذ.
وفي قراءة أوسع، يرى المصدر أن ما يعيشه التجمع يعكس "مفارقة أعمق في المشهد الحزبي المغربي، فكلما حاول حزب ما تكريس منطق مؤسساتي، جرى استدراجه إعلاميا إلى منطق الأشخاص وكلما سعى إلى تأجيل النقاش في الأسماء فُسّر ذلك كغموض أو صراع مكتوم وهو منطق بحسب تعبيره، يُقاومه الحزب اليوم عبر التشبث بالقواعد حتى وإن بدا ذلك أقل إثارة للعنوان".
ويختم المصدر بالتأكيد على أن المؤتمر الوطني الاستثنائي سيكون "الإطار الوحيد للحسم"، وأن ما يسبقه لا يعدو أن يكون "تحضيرا تقنيا وتنظيميا"، محذرا من أن "اختزال هذه المرحلة في أسماء محددة، مهما كان وزنها، لا يخدم لا الحزب ولا النقاش الديمقراطي بقدر ما يخدم ثقافة سياسية تعوّدت البحث عن الخليفة قبل أن تُفتح صناديق الترشيح".




