من رجل المرحلة إلى عبء رمزي.. كيف انتهت مهمة أخنوش السياسية؟
لم يكن إعلان عزيز أخنوش عدم الاستمرار في رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار حدث تنظيمي عادي ولا تفصيل داخلي يندرج في خانة التداول الديمقراطي على القيادة، بقدر ما كان مؤشر سياسي بالغ الدلالة على لحظة اختناق داخل بنية السلطة الحزبية نفسها. فالرجل الذي لم يصعد عبر مسار حزبي كلاسيكي ولم يتشكل داخل مدارس النضال أو المعارضة، بل جاء محمولا على توافقات فوق-حزبية دقيقة، يغادر اليوم الموقع نفسه الذي أُتي به إليه في سياق إعادة ترتيب المشهد السياسي المغربي بعد 2016.
التجمع الوطني للأحرار لم يكن يوما حزب تقليدي بالمعنى الإيديولوجي، بل ظل، تاريخيا، حزب وظيفة أكثر منه حزب مشروع، أُعيد تشكيله في لحظة فراغ سياسي واهتراء حزبي شامل، ليؤدي دور محدد في توازنات السلطة. ومن هذا المنظور، فإن صعود أخنوش لم يكن انتصارا لزعيم داخل حزبه، بل اختيارا لشخصية قادرة على تجسيد نموذج “المدير السياسي” أكثر من “القائد الحزبي”، نموذج يجمع بين رأس المال الاقتصادي والقدرة على التواصل والقبول داخل دوائر القرار.
غير أن هذا النموذج، الذي بدا ناجح انتخابيا سنة 2021 بدأ يفقد فعاليته مع التحولات الاجتماعية المتسارعة، خصوصا مع بروز جيل جديد من الفاعلين الاجتماعيين جيل لا يعترف بشرعية الإنجاز الخطابي ولا بسلطة الأرقام المعلبة، بل يقيس السياسة بقدرتها على التأثير المباشر في شروط العيش. احتجاجات “جيل زد” لم تكن فقط احتجاج على غلاء المعيشة أو ضعف الخدمات العمومية، بل كانت، في عمقها رفض جذري لنموذج الزعامة السياسية المرتبط بالمال والسلطة والوساطة الباردة.
في هذا السياق، تحوّل أخنوش من عنصر توازن إلى عبء رمزي. فالرجل الذي جُسّد لسنوات باعتباره صورة “الاستقرار” و”الكفاءة” و”رجل الدولة”، أصبح في المخيال الشبابي عنوان لتداخل الثروة بالقرار، ولعجز السياسة عن الإنصات. هنا بالضبط تبدأ قراءة قرار المغادرة من زاوية مختلفة: لم يعد السؤال لماذا اختار أخنوش عدم الترشح، بل لماذا أصبح استمراره غير مرغوب فيه.
اللافت أن قرار عدم الاستمرار لم يأتِ بعد هزيمة انتخابية ولا عقب أزمة تنظيمية داخل الحزب بل في ذروة احتقان اجتماعي صامت، تتغذى ناره من الفضاء الرقمي حيث لم تعد أدوات الضبط التقليدية قادرة على احتواء الغضب أو إعادة توجيهه. وهذا ما يجعل القرار أقرب إلى “انسحاب منظم” منه إلى تنازل طوعي، انسحاب يحفظ التوازن العام ويجنب الحزب والدولة معا كلفة الاصطدام المباشر مع جيل لا يفاوض ولا ينتظر.
من منظور تحليل بنيوي للسلطة، يمكن القول إن الجهات نفسها التي دفعت بأخنوش إلى الواجهة، هي التي التقطت مبكرا حدود صلاحيته الرمزية. فالنخب الحاكمة لا ترتبط بالأشخاص بقدر ما ترتبط بالوظائف، وحين تنتهي وظيفة سياسية معينة، يصبح الاستبدال ضرورة لا خيار. أخنوش أدّى الدور المطلوب في مرحلة محددة، لكنه لم يعد قادر على تمثيل المرحلة المقبلة التي تتطلب وجوها أقل استفزازا رمزيا، وأكثر قدرة على امتصاص الغضب الاجتماعي دون إثارة الشكوك.
الأهم في هذا التحول ليس مصير أخنوش الشخصي، بل ما يكشفه عن هشاشة الأحزاب المغربية أمام التحولات العميقة في الوعي الاجتماعي. فالأحزاب التي تُبنى من فوقزوتُدار بمنطق الشركة وتُسوّق زعاماتها كعلامات تجارية، تجد نفسها عاجزة أمام جيل لا يشتري الخطاب ولا يستهلك السياسة بالطريقة القديمة. جيل زد لا يبحث عن زعيم قوي، بل عن سياسة عادلة ولا يهتم بمن يرأس الحزب بقدر ما يهتم بمن يتحمل المسؤولية.
بهذا المعنى، فإن مغادرة أخنوش لرئاسة التجمع الوطني للأحرار ليست نهاية فصل، بل إعلان غير مباشر عن أزمة نموذج، نموذج سياسي يقوم على التحكم الناعم والتسويق المكثف والرهان على الصمت الاجتماعي. الصمت انتهى والشارع تغيّر والسلطة كما يبدو قررت تعديل واجهتها قبل أن يُفرض عليها التغيير من خارج الحسابات.
في النهاية، قد يغادر أخنوش رئاسة الحزب، لكنه يترك خلفه سؤال مفتوح: هل يكفي تغيير الأشخاص لإنقاذ نموذج سياسي فقد صلته بالمجتمع، أم أن المغرب مقبل على لحظة أعمق، لحظة يُعاد فيها تعريف معنى الحزب، والزعامة، والشرعية في زمن جيل لا يُدار ولا يُحتوى؟
باحث جامعي في العلوم السياسية



