مَن يُقنع الجزائريين..؟!
خرج المنتخب الجزائري من دور ربع نهائي كأس أمم إفريقيا (2025) المُقامة في المغرب، بعد هزيمة مُستحقة من المنتخب النيجيري بهدفين لصفر مع سيطرة شبه كاملة لـ"نسور نيجيريا" على المباراة تقنيًّا وبدنيًّا وتكتيكيًّا، وهو ما أظهرته الإحصائيات بعد نهاية اللقاء.
انتهت المباراة، وتأهل من تأهل، وأُقصي من أُقصي، وكان المُفترض أن يذهب الكل إلى حال سبيله، فهي نتيجة لعبة، واللعبة قد انتهت في الميدان، وإن كان ضروريًّا من النقاش حول مجريات المباراة، وأخطاء التحكيم، فلا بأس، هذا دور الإعلام لإشباع نهم الجمهور أو تذويب خيبة الأمل التي تشكلها المنافسة في كرة القدم لدى مشجعي الفرق والمنتخبات.
خرجت الكاميرون بكامل نجومها من البطولة، وعند انتهاء المباراة، دخل رئيس الاتحاد الكاميروني صامويل إيطو إلى غرفة ملابس اللاعبين وقال لهم إنه "فخور بما قدموه، وقد انتهى كل شيء في رقعة الميدان، لنذهب إلى ديارنا ولنستعد للفوز بالكأس القادمة".
هكذا انتهت مشاركة منتخب الكاميرون، قبل أن يبعث إيطو رسالة شكر إلى الجامعة الملكية المغربية على حسن الضيافة والتنظيم، ويغادر إلى أكادير حيث تابع مباراة المنتخب المصري ضد نظيره الإيفواري في ربع نهائي البطولة الإفريقية.
وقبل الكاميرون، غادر المنتخب الجنوب إفريقي المغرب بعد الإقصاء من دور الثمن، وبدوره أرسل رسالة شكر إلى المغرب على التنظيم وجودة البنيات التحتية، وكرم الضيافة.و
في المحصلة خرج 20 منتخبًا من البطولة، بعد أن جاؤوا إلى المملكة ومعهم جمهور وإعلام ومسؤولون.. وغادروها بدون ضجيج، كل يحمل في روحه وقلبه قصصًا وحكايات عن هذه البطولة التي تجمع الأفارقة مرة كل سنتين.
ومن بين الـ20 منتخبًا المغادر للبطولة، كان المنتخب الجزائري الاستثناء. وهو دائمًا استثناء يُصرّ على أن يخرج عن القاعدة.
قبل أن يصل إلى المغرب للمشاركة في كأس أمم إفريقيا تحدث الإعلام الجزائري عن "الكولسة"، وعند وصوله إلى الفندق تحدث عن "مؤامرة" وقبل مباراتهم الأولى ضد المنتخب السوداني ملؤوا قنواتهم بالضجيج حول التذاكر مع أن الملعب كان مملوء بالجمهور الجزائري الذي شكل 90 في المائة من الحضور لكل مباريات "الخُضر"، ومشكل التذاكر عانى منه الجمهور المغربي والتونسي والكونغولي.. نظرا لأن الملاعب لا تستوعب كل الجمهور الراغب في الحضور.. وهذا ما يحدث في كل البطولات.. لكن للجزائريين رأي آخر!
ومع ذلك، فالإعلام الجزائري نسج الحكايات وبحث تحت أي حجر عن شيء يليق بصنع قصة، أي قصة، المهم صناعة قصة تليق بدغدغة المشاعر المنهكة لدى المواطن الجزائري، الذي يجلس أمام الشاشة في إحدى المدن أو القرى الجزائرية ينتظر أن يشتعل قلبه حقدًا بما فعله "المراركة" في منتخبهم، لعل ذلك ينسيه بعضًا من مآسيه اليومية.
فمن يقنع الجزائري أن المباراة انتهت، وأن بلاطوهات قنواتهم عليها أن تكف عن الضجيج البعيد عن التحليل الرصين حول مجريات مباراة في كرة القدم؟ من يقنعهم أن المغرب إن كان يجيد الكولسة ما كان يخسر منتخبه النسوي نهائيين في عقر داره بأخطاء تحكيمية قاتلة؟
من يقنعهم أن الحَكَم الذي تم تعيينه لمباراتهم ضد نيجيريا سينغالي الجنسية إسمه عيسى سي، وليس مغربيًّا؟
من يقنع الجزائريين أن رئيس لجنة التحكيم في "الكاف" هو الكونغولي أوليفييه سفاري كابيني، وأن رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم هو الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي، وليس المغربي فوزي لقجع؟
من يقنع الجزائري أن مشكلته ليست في خسارة مباراة كرة قدم، بل في عجلات ليست متوفرة في السوق لسيارته، ولا موز أو خضر في أسواقه، ولا طحين لصنع خبزه، ولا قطع غيار لحافلاته، ولا سيولة لسفره، ولا مستقبل لحياته؟
من يقنع الجزائري أن رئيسة حزب مثل لويزة حنون خرجت وقالت إن الرئيس عبد المجيد تبون يشتكي من كذب المسؤولين عليه وأن الأرقام التي يصرح بها مغلوطة؟
من يقنعهم أن بلادهم تعاني من عجز مالي سنة 2025 بلغ 62 مليار دولار أمريكي (ما يعادل 21.8% من الناتج المحلي الإجمالي) ومع ذلك خصص جيشه 25 مليار دولار لشراء السلاح الروسي وإرضاء غروره في القوة، مع أن بلادهم تنهار اقتصاديًّا كل يوم؟
من يقنع الجزائري أن كل ذاك الفقر الفكري الذي يُصنع يوميًّا في إعلامه يزيد من تمديد عمر نظامه الفاسد الذي يقتات على مثل هذا الجهل المركب الذي أصبح يعشش في بنية الكثير من الجزائريين بفعل الحشو المقرف لعقولهم بوهم قوة وعظمة لا توجد إلا في تصريحات مسؤوليهم؟
الحقيقة أن لا أحد يمكنه أن يقنع أغلب الجزائريين بأي شيء، لأنهم غير مستعدين للاقتناع بأي شيء. بنيتهم الفكرية غير مؤهلة لذلك، فهم يحتاجون لعدو من أجل العيش. وعدوهم الأبدي هو "المروك"، كان ومازال وسيظل!




