هل سيتغير موقف فنزويلا من قضية الصحراء المغربية أم سيستمر الإرث البوليفاري؟
تدخل فنزويلا بعد حادثة اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو مرحلة انتقالية غير مسبوقة، يتقاطع فيها السياق الداخلي المتوتر مع ارتدادات إقليمية ودولية متعددة الأبعاد. فقد جاءت تصريحات نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لتؤكد رفض ما اعتبرته اختطافا غير قانوني وخرقا سافرا للقانون الدولي ونزعة استعمارية جديدة، كما تبنى الجيش ووزارة الخارجية الخطاب نفسه القائم على الدفاع الصارم عن السيادة الوطنية ومناهضة التدخل الخارجي.
هذا المناخ السياسي المشحون أعاد إلى الواجهة سؤالا حساسا يتعلق بمستقبل السياسة الخارجية الفنزويلية، وفي مقدمتها موقفها من قضية الصحراء ودعمها التقليدي للبوليساريو.
إن الخطاب الذي تعتمده القيادة الحالية ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل يعكس استمرارا واعيا للسردية التاريخية التي شكلت العمود الرمزي للمدرسة البوليفارية، القائمة على مناهضة الاستعمار وتأكيد حق تقرير المصير والتضامن مع الحركات التي يتم تأطيرها ضمن منطق المقاومة.
وفي هذا الإطار، تندرج قضية الصحراء المغربية داخل منظومة مرجعية أيديولوجية أوسع، تجعل من التراجع الفوري عن دعم البوليساريو أمرا مستبعدا في الأمد القريب، بل إن اللحظة الراهنة قد تدفع إلى تشديد هذا الخطاب بوصفه أداة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية وترميم الشرعية السياسية في ظل الصدمة الوطنية الناتجة عن اعتقال الرئيس.
غير أن القراءة الاستراتيجية المتأنية تفرض التمييز بين مستويين: مستوى الخطاب السياسي الدفاعي الذي يستهدف تثبيت الرمزية البوليفارية وحشد القاعدة الاجتماعية والمؤسساتية، ومستوى التحولات العميقة التي قد تمس ترتيب الأولويات عندما تنتقل فنزويلا من وضعية المواجهة السيادية إلى مرحلة إعادة بناء الدولة واقتصادها وعلاقاتها الدولية.
فبينما تقتضي ظروف اللحظة استحضار مفردات السيادة والكرامة الوطنية، فإن المدى المتوسط قد يفرض على صناع القرار مراجعة عدد من الملفات الخارجية التي لا تحقق مكاسب مباشرة للمجتمع أو الاقتصاد، وفي مقدمتها الملفات الرمزية ذات الامتداد الأيديولوجي.
وفي هذا السياق، يصبح من الممكن الحديث عن أكثر من مسار محتمل لتطور الموقف الفنزويلي من قضية الصحراء المغربية. فالمسار الأول يتمثل في استمرار صيغة حكم بوليفارية معدلة تحافظ على جوهر الهوية الأيديولوجية مع إدخال لمسات براغماتية محدودة.
وهنا سيبقى الاعتراف بالبوليساريو قائما كرمزية سياسية وتاريخية، غير أن مستوى الانخراط العملي قد يشهد تراجعا تدريجيا، عبر تقليص أشكال الدعم أو تجميد بعض قنوات التنسيق دون إعلان قطيعة صريحة، في محاولة للموازنة بين متطلبات الداخل وحاجيات الانفتاح الخارجي وتخفيف الضغوط.
أما المسار الثاني فمرتبط بإمكانية تشكل صيغة حكم انتقالية هجينة نتيجة ضغوط داخلية وخارجية متزامنة، حيث يصبح البحث عن توافق سياسي أوسع ضرورة لتجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. في مثل هذا الوضع، غالبا ما تميل الدول إلى إعادة تقييم القضايا الخارجية البعيدة عن الاهتمام الشعبي، خاصة تلك التي لا تقدم عائدا اقتصاديا أو دبلوماسيا ملموسا.
وبما أن قضية الصحراء تبقى بالنسبة إلى المجتمع الفنزويلي قضية بعيدة جغرافيا ورمزيا، فإنها قد تتحول إلى مجال لإعادة التموضع عبر تبني خطاب دعم المسار الأممي والحياد الواقعي، أو من خلال تجميد فعلي للاعتراف دون إعلان قطيعة مباشرة، انسجاما مع التحولات الدولية المتزايدة نحو حلول قائمة على الحكم الذاتي داخل إطار السيادة الوطنية.
ويظل المسار الثالث أقل احتمالا في المدى القريب لكنه ممكن على المدى البعيد، ويتمثل في حدوث تحول جذري في طبيعة النظام السياسي يقود إلى القطع مع الإرث البوليفاري وإعادة هندسة السياسة الخارجية بشكل شامل. في هذا السيناريو، قد يصبح الاعتراف بالبوليساريو عبئا دبلوماسيا ليس له ما يبرره في ظل تقليص قاعدة الاعترافات الدولية بهذا الكيان وتنامي وزن المقاربات الواقعية، الأمر الذي قد يدفع إلى سحب الاعتراف ضمن عملية إعادة تموقع واسعة النطاق، لا باعتباره قرارا معزولا أو تكتيكيا.
وبين هذه المسارات الثلاثة، يتبين أن الموقف الفنزويلي من قضية الصحراء لن يشهد تغييرا سريعا أو مباشرا في المدى القريب، لأن اللحظة السياسية الحالية ما تزال لحظة تشبث بخطاب السيادة والدفاع عن الشرعية الداخلية. غير أن الانتقال إلى مرحلة إعادة البناء سيضع النخبة الحاكمة أمام سلم أولويات جديد، حيث تتصدر ملفات الاقتصاد والطاقة ورفع العقوبات وجذب الاستثمار، بينما تتراجع القضايا الرمزية ذات الطابع الأيديولوجي إلى مرتبة ثانوية قابلة للمراجعة أو إعادة الصياغة.
وعليه، يمكن القول إن اعتقال مادورو لا يؤدي تلقائيا إلى تغيير موقف فنزويلا من قضية الصحراء، لكنه يفتح مسارا سياسيا زمنيا قد يجعل ذلك التغيير ممكنا في المدى المتوسط أو البعيد، كلما تحولت منطقية القرار من الدفاع عن إرث الثورة إلى إعادة تأسيس الدولة، وكلما أصبحت السياسة الخارجية خاضعة لميزان المصالح الواقعية وتحولات الشرعية الدولية. وفي تلك اللحظة، لن يكون موقع قضية الصحراء قرارا منعزلا، بل جزءا من إعادة صياغة شاملة لتموقع فنزويلا داخل النظام الدولي.
كاتب وأكاديمي مغربي



