20 في المائة من الاستثمارات الخارجية للمملكة تذهب إلى إفريقيا: المغرب يرسّخ نفوذه الناعم في القارة.. والفوسفاط والبنوك يصنعان النفوذ الاقتصادي العميق للرباط

 20 في المائة من الاستثمارات الخارجية للمملكة تذهب إلى إفريقيا: المغرب يرسّخ نفوذه الناعم في القارة.. والفوسفاط والبنوك يصنعان النفوذ الاقتصادي العميق للرباط
الصحيفة - خولة اجعيفري
الخميس 1 يناير 2026 - 18:00

أعلنت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، عن بلوغ الاستثمارات المغربية في أفريقيا خلال سنة 2024 حوالي 5 مليارات درهم، وهو ما يعني أن القارة السمراء باتت تستقطب ما يقارب 20 في المائة من مجموع الاستثمارات الخارجية للمملكة وهي أرقام ثقيلة الدلالة تكشف انتقال المغرب من مرحلة الحضور الاقتصادي المحدود إلى بناء نفوذ تنموي متصاعد يقوم على ''القوة الاقتصادية الناعمة'' حيث يتموضع الفوسفاط والأمن الغذائي والقطاع البنكي، والبنيات التحتية في قلب استراتيجية أوسع تروم ترسيخ المغرب كشريك إفريقي مؤثر.

ويبدو أن إفريقيا، تحولت بالنسبة للمغرب على امتداد السنوات الأخيرة إلى فضاء إستراتيجي يعاد التفكير فيه بوصفه امتدادا طبيعيا وعمقا حيويا للمملكة الأمر الذي تبرزه رقميا تصريحات وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح أمام مجلس المستشارين أول أمس الثلاثاء إذ جاءت لتؤكد هذا التحول حين كشفت أن الاستثمارات المغربية في القارة بلغت خلال سنة 2024 حوالي 5 مليارات درهم.

وكشفت هذه المعطيات أيضا أن إفريقيا باتت تستقطب اليوم ما يقارب 20 في المائة من مجموع الاستثمارات الخارجية للمملكة وهي أرقام تحمل خلفها تصوّرا سياسيا واقتصاديا واضحا يفيد بأن المغرب لا يكتفي بفتح أسواق جديدة، بل يعيد تموقعه داخل القارة بوصفه فاعلا تنمويا، وصاحب مشروع بعيد المدى.

فالمملكة، وهي تعمق رهانها الإفريقي، توجّه استثماراتها نحو القطاعات التي تشكل اليوم أعصاب الاقتصاد الإفريقي ومعادلات استقراره  وهو ما يمكن استنباطه من تعمد الوزيرة للإشارة بشكل صريح إلى أن معظم هذه الاستثمارات تتركز في القطاعات الحيوية ذات الطابع الإستراتيجي وفي مقدمتها الأمن الغذائي الذي أصبح واحدا من أكثر الملفات حساسية داخل القارة، وهنا بالتحديد يتجاوز الحضور المغربي منطق الاستثمار الكلاسيكي، ليدخل إلى قلب المعادلة الاجتماعية والاقتصادية الإفريقية من خلال دعم الإنتاج الفلاحي، تعزيز القدرة على تلبية الطلب الغذائي، وتقليص هشاشة المنظومات الزراعية.

وفي هذا السياق، يصعد دور المكتب الشريف للفوسفاط باعتباره أحد الأعمدة الكبرى لهذه الإستراتيجية، فالوزيرة أبرزت أن المكتب تمكن من تكوين أكثر من 4 ملايين فلاح إفريقي من خلال برامج عملية شملت تحليل التربة، استعمال المختبرات المتنقلة، وتحسين طرق استخدام الأسمدة وهذا الرقم يعكس حجم الرهان المغربي على ''بناء القدرات المحلية'' بدل الاكتفاء بتصدير منتج أو بيع مادة أولية فهو يذهب إلى الفلاح الإفريقي في حقله، يضع بين يديه أدوات علمية وتقنية ويحاول أن يغيّر علاقة الإنتاج الزراعي بالمعرفة.

الأمر يكتسب بعدا أكبر حين تضع الوزيرة هذا المعطى إلى جانب آخر يفيد بأن متوسط استهلاك الأسمدة في إفريقيا لا يتجاوز 22 كيلوغراما للهكتار، مقابل 146 كيلوغراما كمعدل عالمي وهي فجوة هائلة تختصر جزءا مهما من أزمة الإنتاجية الفلاحية بالقارة فعندما يشتغل المغرب على هذا المستوى يسهم في سدّ فجوة تنموية حقيقية، ويقدّم نفسه بوصفه شريكا عمليا في بناء سيادة غذائية إفريقية، لا مجرد طرف تجاري يبحث عن أسواق.

هذه الدينامية لم تبق بدون أثر على مستوى العلاقات الاقتصادية، فقد أكدت نادية فتاح أن الاستثمارات التي أنجزها المكتب الشريف للفوسفاط مكّنت من الرفع بشكل ملموس من صادراته من الأسمدة نحو الدول الإفريقية، والتي تضاعفت عدة مرات مقارنة بسنة 2013 غير أن الخطاب الرسمي يحرص على التأكيد أن هذا التطور لا يأتي داخل منطق ''الربح الأحادي'' بل ضمن مقاربة تنموية بعيدة المدى، تقوم على شراكات متوازنة، مزيج بين المصلحة الاقتصادية المغربية والحاجة التنموية الإفريقية، وهو ما يعزز الرأسمال المعنوي للمغرب داخل القارة.

وموازاة مع الفلاحة والأمن الغذائي، تتقدم المالية المغربية باعتبارها محورا استراتيجيا آخر في هذا الحضور فالوزيرة أشارت إلى الدور المتنامي للقطاع البنكي المغربي في إفريقيا، خاصة في دول غرب القارة، حيث تحولت البنوك المغربية إلى فاعل حقيقي في تمويل الاقتصاد، ومواكبة المشاريع الاستثمارية، وتوفير أدوات مالية حديثة تساعد على خلق دينامية اقتصادية محلية وهنا بالذات تتجسد "القوة الاقتصادية الناعمة" فالمؤسسات البنكية تنقل الرساميل وتنقل معها ثقافة مالية، آليات تدبير، وربطا بالسوق الدولية، وهو ما يجعلها جزءا من البنية العميقة لبناء الثقة والاستقرار.

ثم هناك مستويات أخرى من الحضور الاستثماري، ذكرتها نادية فتاح بوضوح، وتشمل الموانئ، الاتصالات، والبنيات التحتية فهذه القطاعات ليست تفاصيل ثانوية إنها تشكل بنية الحياة الاقتصادية لأي دولة وحين يحضر المغرب داخل هذه المجالات فهو يشارك في بناء الأعصاب الحيوية للاقتصادات الإفريقية من خلال ربط الأسواق، تسهيل تدفق السلع والخدمات، وتقوية شبكات الاندماج الإقليمي وهي استثمارات تتحرك داخل منطق واضح يتجلى في دعم تكامل القارة من الداخل، وتعزيز قدرتها على أن تكون فاعلا اقتصاديا جماعيا، بدل أن تظل مجرد تجمع من الأسواق المتفرقة.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط محمد الرامي، أنه إذا ما وضعنا الأرقام التي قدمتها وزيرة المالية في سياق أطول، سنلاحظ أن ما يجري اليوم هو تتويج لمسار تصاعدي مبرزا أن "التوجه الاستثماري المغربي نحو إفريقيا نما، منذ منتصف العقد الأول من الألفية بمعدل سنوي يناهز 12 في المائة، وفي بعض الفترات كانت القارة تستحوذ على قرابة 60 في المائة من مجمل الاستثمارات المغربية المتجهة إلى الخارج، وهو ما جعل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، ثاني أكبر مستثمر إفريقي في القارة ككل، وأول مستثمر في غرب إفريقيا، متقدما على قوى إقليمية تقليدية."

وأوضح الرامي، في تصريحه لـ "الصحيفة" أنه "على مستوى البنية القطاعية لا يقتصر الحضور المغربي على الفوسفاط والقطاع البنكي فحسب فمجموعة OCP خصصت نحو 4 ملايين طن من طاقتها الإنتاجية السنوية من الأسمدة للأسواق الإفريقية، أي ما يزيد على ربع إنتاجها بعد أن رفعت قدرتها الإجمالية إلى حوالي 15 مليون طن سنة 2023، انطلاقا من 3 ملايين طن فقط قبل خمسة عشر عاما، ما يعطيها وزنا حاسما في معادلة الأمن الغذائي بالقارة".

في المقابل، أشار المتحدث إلى أنه تنتشر البنوك وشركات التأمين المغربية اليوم في أكثر من ثلاثين بلدا إفريقيا، إذ يشتغل أحد المجموعات البنكية الكبرى في 20 دولة إفريقية عبر شبكة تتجاوز 1800 نقطة بيع، فيما تحولت الدار البيضاء إلى منصة مالية قارية تستقطب أزيد من 200 شركة دولية موجّهة نحو السوق الإفريقية، وهذه العناصر مجتمعة تجعل من الاستثمارات المعلَن عنها اليوم حلقة جديدة في سلسلة تراكمية، تؤسس لنفوذ اقتصادي ناعم يقوم على الشبكات المالية واللوجستية والغذائية، أكثر مما يقوم على الخطاب السياسي التقليدي.

القفطان.. وأزمة الهوية عند الجزائريين

طُويت معركة أخرى أرادت الجزائر أن تخوضها ضد المغرب، وهذه المرة ليس في مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء، بل داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، التي تعقد ...

استطلاع رأي

مع قُرب انطلاق نهائيات كأس إفريقيا للأمم "المغرب2025".. من تتوقع أن يفوز باللقب من منتخبات شمال إفريقيا؟

Loading...