تواصل على مقاس مزاج الحكومة.. الهواتف مغلقة والأسئلة مُنتقاة، فهل صار الحق في المعلومة امتيازا في عهد أخنوش؟
وضعت الإعلامية سناء الرحيمي الإصبع على الجرح حين قالت في برنامج على القناة الثانية إن الوزراء لا يجيبون، الهواتف مغلقة ومديرات التواصل يعتذرن بأن "الوزير غير جاهز لتكون هذه العبارة خلاصة أربع سنوات من نهجٍ باتت تشكو منه مختلف المنابر الاعلامية بما فيها القطب العمومي فلا يُحصل عدا صمتٌ رسمي في ذروة الحاجة إلى الكلام، ومراوغةٌ إدارية تُقدَّم كبديل عن وضوحٍ سياسيّ يُفترض أن يكون قاعدة لا استثناء فيما الأزمة هنا بنيوية في فلسفة مخاطبة الرأي العام في ظل حكومة تتكلم حين تشاء ومع من هي تشاء لا حين يجب وبمنطق إلزامي لاحترام السلطة الرابعة وتعتبر التواصل "كمالية بروتوكولية" لا صمّام أمانٍ ديمقراطي في لحظات التوتّر.
وصرّحت الإعلامية سناء رحيمي على شاشة القناة الثانية (2M)، أمس الجمعة بأن التواصل الحكومي لا يجوز أن يظلّ حبيس "لحظات التدشين" التي تطلب فيها الوزارات ومؤسسات الدولة التغطية، مؤكدة أنّ التعامل مع وسائل الإعلام يجب أن يكون منتظما وشفافا لا ظرفيا في إشارة مباشرة إلى امتناع عدد من المسؤولين عن الرد والتوضيح زمن الأزمة.
وهذا الموقف، الصادر من ركن داخل القطب العمومي نفسه، يمنح الشكوى بُعدا أوسع من كونه تظلّما من الصحافة الخاصة بدورها إذ يُظهر أنّ الصعوبة في الوصول إلى المعلومة الرسمية بوجهها العمومي والخاص معا، وقد عززت رحيمي ذلك بقولها إنها حاولت الاتصال بمسؤولين ووزراء دون جدوى، في إشارات متكررة على منصاتها.
وتتجلّى هذه الفلسفة في بنية انتقائية تُعامل الصحافيين والمنابر بمنطق الاصطفاء إذ تُفتح بعض الأبواب حين يكون السؤال مطمئنا أو المنبر "غير مزعج"، وتُغلق حين يأتي السؤال من جهة نقدية تلاحق السياسات العمومية بالأرقام والملفات وهذا ينسف مبدأ المساواة في الولوج إلى المعلومة، ويحوّل حقّ السؤال إلى امتياز قابل للسحب والنتيجة أن المنابر بمختلف تلاوينها تصطدم بجدار من التجاهل حتى في قضايا عامة كبرى.
ولعل تجربة "الصحيفة" مثالٌ نموذجي، إذ توجد على طاولات عدد من الوزارات مراسلات رسمية، طلبات توضيح، مكالمات لمختلف القطاعات، بما في ذلك ما يتصل بأزمة احتجاجات جيل زيد والجواب في الغالب صمت أو وعد مُرجأ لا يعود وحين يصبح "لا رد" هو الردّ الأكثر انتظاما فالمشكلة ليست في البريد الإلكتروني بل في تقدير الوظيفة العمومية للاتصال.
وهذا ينطبق أيضا، على الندوة الصحافية الأسبوعية للناطق الرسمي باسم الحكومة التي تُجسّد هذا المنطق فبدل أن تكون فضاء مفتوحا لأسئلة كل المنابر تحوّلت إلى طقسٍ بجرعات محسوبة وأسئلة مكرورة من وجوه بعينها، انتقاءٌ صارخ في منح الكلمة وتفادي المنابر التي تُحرج بالأرقام والوقائع وبهذه الطريقة تنزلق الندوة الأسبوعية من كونها آلية مساءلة إلى منصة علاقات عامة ومن واجهة للشفافية إلى فلترٍ لإدارة الصورة.
وتحت ضغط الشارع، ظهر الخلل بوضوحٍ أكبر في برنامج "صدى الحدث" على قناة ميدي1، حيث جلس الناطق الرسمي مصطفى بايتاس ليؤكد من حيث أراد النفي عمق أزمة النَّفَس الاتصالي وفد سُئل عن "دفتر مطلبي" رفعه شباب زيد للملك قبل أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة، يتصدره مطلب محاسبة الحكومة وإقالتها، وهو عنوانٌ تصدّر النقاش العمومي على المنصات وكان المتوقّع من المتحدث باسم الحكومة أن يحيط علما بما يشغل الرأي العام وأن يضع إطارا مؤسسيا للجواب لكنه اختار سلك طريق الهجوم على الصحافي نوفل العوالمة، مُلمّحا إلى أنه "ينطق باسم الشباب"، قبل أن يقرّ بعدم وصول المطلب إلى علمه.
وأن يفوّت الناطق الرسمي معلومة محورية بهذه الحساسية، فذلك ليس مجرّد ثغرة شخصية بل إشارة إلى غياب بنية إنصات مبكرة، وإلى جهاز يقظة معلوماتية يشتغل بالزمن البطيء في زمنٍ تُقاس فيه الشرعية بدقائق التفاعل.
والخلل ليس في مشهدٍ واحد، بل هو سلسلة من الاختيارات التي تُنتج نفس المخرجات أي مركزيةٌ خانقة في القرار الاتصالي، تفضيلُ ردود الفعل على المبادرة، غياب خلية أزمة تعمل على مدار الساعة والأسبوع، والارتهان إلى بلاغاتٍ عمومية مطوّلة لا تقول “متى؟ وكيف؟ وبأي مؤشرات؟ مع العلم أنه في لحظات الاحتجاج، يحتاج المواطن لغة بسيطة وجدولا زمنياً وخريطة طريق، لا جُملاً إنشائية تماما كما يحتاج حقائق قابلة للتحقق وقنوات تواصل تُعلن ما أنجزته وما تعجز عنه، وتتحمّل كلفة الاعتذار المهني عند الخطأ أمّا حين يُعاد تدوير نفس القوالب، يتضخّم الفراغ فتملؤه الإشاعة والفرضيات، ويتحوّل النقاش من مضمون السياسات إلى "صدمة الصورة".
وجيل “زيد” عبر مرارا أنه لا ينتظر إحسانا لغويا أو عبارات "رومانسية" من الحكومة كما وصفها البودكاستر حمزة الفاضلي الذي حضر بلاتو برنامج القناة الثانية بل مؤشراتٍ قابلة للقياس وخطابا يراه ويسمعه لأنه جيلٌ منظّم رقميا، يرفع مطالبه بسرعة ويُنتج سرديته ويُحاسب رمزيا وبالتالي فإن تجاهله لا يُنتج هدنة، بل يعمّق الهوّة.
ولا يكفي القول إن "السياسات ليست قرآناً منزلا" كما جاء على لسان بايتاس لتصير قابلة للنقاش بل يلزم قبل ذلك الاعتراف بحقّ الجمهور في السؤال، وتكافؤ المنابر في الوصول، واستعدادٌ سياسيٌّ صريح لتحويل الشكوى إلى طاولة عمل معلنة.
والقصة، في جوهرها، ليست صراعاً بين حكومة وصحافة بل اختبار لسلامة الدورة الديمقراطية بين من يضع السياسات يشرحها ويقبل مساءلتها، ومن ينقل الأسئلة لا يُجزى بالاتهام والاقصاء فحين اختارت حكومة عزيز أخنوش أن تُعامل الإعلام بمنطق "القائمة البيضاء" و"القائمة الرمادية" فقدت تدريجيا أهم رصيد في الأزمات وهو الثقة وحين تُصرّ منابر جادّة ومن بينها “الصحيفة” على مراسلة الوزراء والمسؤولين بشأن قضايا مصيرية، ولا تتلقى جوابا تتسع الهوّة بين مؤسساتٍ ترفض أن تتكلم ومجتمعٍ يرفض أن يُسكت.
وما فضحته لحظة سناء الرحيمي، وما رسّخته واقعة "صدى الحدث"، ليسا حادثين معزولين، بل مرآةٌ لنهجٍ يساوي بين الصمت والاستقرار، وبين الانتقائية والمهنية والواقع أن الاستقرار لا يُصنع بالصمت بل بالكلمة المسؤولة وأن المهنية لا تُقاس بنعومة البلاغ، بل بعدالة المنبر وكرامة السؤال وبالتالي فإن الكرة اليوم في ملعب الحكومة إما أن تُعيد بناء جسر الثقة بلغةٍ شفافة وإجراءاتٍ قابلة للقياس، وإما أن تترك الشارع يكتب روايته وحده ـ وفي رواية الغائبين، لا تُراعى عادةً حرمة الغياب.




