الطاهر بن جلون: صنصال قال لي إنني محظوظ لكوني مغربيا وأن حظه سيء لأنه جزائري.. والتصريحات التي تسببت في سجنه حقائق تاريخية

 الطاهر بن جلون: صنصال قال لي إنني محظوظ لكوني مغربيا وأن حظه سيء لأنه جزائري.. والتصريحات التي تسببت في سجنه حقائق تاريخية
الصحيفة - خولة اجعيفري
السبت 15 نونبر 2025 - 17:10

فجّر الكاتب المغربي الطاهر بن جلون شهادات غير مسبوقة كشفت حجم القطيعة التي يعيشها صديقه بوعلام صنصال أحد أبرز روائيي الجزائر مع نظام بلاده "الجاهل والعنيف والقاس" وفق توصيف بن  جلون الذي روى كيف تحوّل صنصال، الذي سُجن بسبب تصريح تاريخي حول الحدود مع المغرب إلى "رهينة" للأزمة الفرنسية الجزائرية، قبل أن تُنتزع حريته بتدخل مباشر من الرئيس الألماني مسلّطا الضوء على هشاشة علاقة  النظام الجزائري بالمثقفين والرواية التاريخية.

واختار الكاتب المغربي الطاهر بن جلون منبر "لوفيغارو" الفرنسي ليتحدث "بقلب مفتوح" عن صديقه بوعلام صنصال، الكاتب الجزائري الذي خرج حديثا من سجون بلاده بعفو رئاسي بعد اعتقال ومحاكمة أثارا قلقا واسعا في الأوساط الأدبية والحقوقية عبر العالم.

لكن بن جلون، الحاصل على جائزة "غونكور" وصاحب "الليلة المقدسة" لم يكتفِ بالحديث عن معاناة صديق عاش تجربة السجن والعزلة، بل حوّل شهادته إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق هي أزمة نظام سياسي يعتبره "جاهلا، عنيفا وقاسيا"، وأزمة علاقة ملتبسة بين الجزائر وفرنسا، وأخرى لا تقل توترا بينها وبين المغرب حيث تتحول الحدود والتاريخ والذاكرة إلى أسلحة سياسية بيد العسكر والدبلوماسية معا.

أكثر العبارات التي تشد المتابع ضمن الحوار المصور لبن جلون في حديثه عن صديقه الجزائري هي تلك الجملة المكثّفة التي نقلها عنه "كان بو علام صنصال يقول لي إنني محظوظ لكوني مغربيا، وأنه هو سيئ الحظ لأنه جزائري".

خلف بساطة العبارة، تقيم مقارنة قاسية بين تجربتين مغاربيتين متجاورتين من جهة، مغرب يعيش بدوره تناقضاته وصراعاته لكنه يبقي، رغم كل شيء هامشا ما للكتّاب والمثقفين للتعبير، ومن جهة أخرى، جزائر يصفها بن جلون بأنها "بلد أُخذ رهينة منذ الاستقلال من طرف عسكريين جهلة وعنيفين وقساة".

في هذه الجملة، يختصر صنصال كما يقدمه بن جلون، شعورَ جيل من المثقفين الجزائريين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة العنف الإسلاموي في التسعينيات وسندان الأجهزة العسكرية التي لم تغفر لمن تجرأ على نقدها أو فضح روايتها الرسمية عن الدولة والثورة والحرب الأهلية.

يذكّر بن جلون ضمن حواره المصور، بأن بوعلام صنصال لم يُعتقل على خلفية نص أدبي أو رواية بل بسبب جملة سياسية صريحة هي قوله إن "الغرب الجزائري كان قبل الاستعمار الفرنسي، تابعا للمغرب" والسلطات الجزائرية رأت في ذلك "مساسا بأمن الدولة" لتفتح في حقه ملفا ثقيلا يختلط فيه التاريخ بالسياسة والحدود بالهوية الوطنية، وموقع الجزائر في صراعها المفتوح مع الرباط حول الصحراء.

وقد اعتُقل صنصال في نونبر 2024، في ظروف يصفها بن جلون بأنها "لاإنسانية" قبل أن يُحاكم في مسطرة سريعة انتهت بالحكم عليه بخمس سنوات سجنا نافذا، فيما لم يخرج الرجل من السجن ببراءة ولا بمصالحة، بل بعفو رئاسي في 12 نونبر 2025، استجابة لطلب مباشر من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.

وهذه التفاصيل، كما يعرضها بن جلون تجعل من مصير صنصال أبعد من قضية فردية بل إنه يتحول إلى ورقة في لعبة توازنات معقدة بين الجزائر وبرلين، وبين الجزائر وباريس، وبين الجزائر والرباط.

وفي مواجهة اتهام "المس بأمن الدولة" لم يتردد الطاهر بن جلون في الدفاع عن صديقه والتصديق على مضمون ما قاله مورداا "لقد ذكّر بحقائق تاريخية صحيحة فخلال الحقبة الاستعمارية كانت فرنسا بالفعل كلما اكتشفت معادن في منطقة ما، تضمّها إلى الجزائر الفرنسية".

وبهذه العبارة، أعاد بن جلون فتح ملف حساس في الذاكرة المغاربية وهو ملف ترسيم الحدود من طرف القوة الاستعمارية، وكيف تحوّل ما كان في الأصل عملية تقنية واستراتيجية فرنسية مرتبطة بالثروات الباطنية ومساحات النفوذ إلى حدود "مقدسة" في الخطاب الوطني بعد الاستقلال، لا يُسمح بمساءلتها أو الإشارة إلى جذورها الاستعمارية دون التعرض للاتهام بالخيانة أو تهديد "الوحدة الترابية"

" لوفيغارو" ذهبت أبعد في الربط، حين اعتبرت أن اعتقال صنصال يمكن قراءته كـ"إجراء انتقامي" في سياق اعتراف فرنسا الرسمي بمغربية الصحراء. وطرحت فرضية أن الكاتب الجزائري تحول في لحظة ما، إلى "رجل بقناع حديدي" تجسّد عليه توترات "المثلث" باريس–الرباط–الجزائر وهكذا يجد مثقفٌ نفسه في قلب جغرافيا سياسية متشابكة يدفع ثمن جملة عن التاريخ وحدود ما قبل الاستعمار، في زمن صار فيه سؤال الحدود جوهر الصراع بين المغرب والجزائر، وامتدادات هذا الصراع داخل أروقة الإليزيه والاتحاد الأوروبي.

الطاهر بن جلون لم يكتف بالدفاع عن صديقه، بل وجّه واحدة من أعتى الإدانات التي تُسمع من مثقف مغاربي بحق النظام الجزائري منذ سنوات وهو يقول: "الجزائر بلد أُخذ رهينة منذ استقلاله من طرف عسكريين جهلة وعنيفين وقساة يحملون على ظهورهم وزر مجازر الحرب الأهلية التي استمرت عشر سنوات والإسلاميون مسؤولون أيضا، لكن العسكريين شاركوا في المجازر".

في هذه الجملة، خرج بن جلون من دائرة "المجاملة الدبلوماسية" التي كثيرا ما تحيط بخطاب النخب الثقافية حول أنظمة المنطقة وهو يحمّل المؤسسة العسكرية مسؤولية مباشرة عن "مصادرة" البلد منذ 1962، ويربط بين شرعيتها "الثورية" وبين عنف الحرب الأهلية في التسعينيات، ليرسم خطا متصلا بين "الشرعية التاريخية" و"الجريمة السياسية".

ويرى أن ما يحكم الجزائر اليوم ليس نظاما سياسيا قائما على عقد اجتماعي، بل "طغمة عسكرية غير شعبية يُطلب منها أن تحزم حقائبها وترحل" إنها لغة قاسية، لكنها تكشف مستوى السخط الذي تراكم لدى جزء من النخب المغاربية والفرنسية على تجربة نظام لم يعد قادرا على إنتاج رواية مقنعة عن نفسه، لا في الداخل ولا في الخارج.

وفي خضم هذا التشخيص القاتم، يستعيد بن جلون كاريكاتيرا "ساخرا وموجعا" في الوقت نفسه للشرطة الفرنسية وهي تسلّم "مجرمين جزائريين" للجمارك الجزائرية، فتجيبهم الأخيرة بأنها "لا تستقبل إلا الكتّاب".

وتبدو النكتة لأول وهلة مجرد مفارقة ساخرة، لكنها في الواقع تلخص فكرة مركزية في شهادة بن جلون تفيد بأن النظام الجزائري بات يتعامل مع الكتّاب والمثقفين باعتبارهم أخطر من المجرمين العاديين لأنهم يملكون ما لا يملكه الآخرون وهي القدرة على السرد، على إعادة كتابة التاريخ من خارج الرواية الرسمية، وعلى تحويل المعاناة الفردية إلى قضية رأي عام عابرة للحدود.

وهذا الكاريكاتير يربط بطريقة بليغة، بين مصير صنصال ومصائر كتّاب وصحافيين وناشطين آخرين وجدوا أنفسهم بدورهم، أمام محاكم تتهمهم بـ"تقويض وحدة الدولة" أو "الإضرار بالمصالح العليا" لمجرد أنهم تجرؤوا على طرح أسئلة حول الجيش أو الحدود أو الذاكرة أو حتى طبيعة النظام نفسه.

تعليقات
جاري تحميل التعليقات

مَن يُقنع الجزائريين..؟!

خرج المنتخب الجزائري من دور ربع نهائي كأس أمم إفريقيا (2025) المُقامة في المغرب، بعد هزيمة مُستحقة من المنتخب النيجيري بهدفين لصفر مع سيطرة شبه كاملة لـ"نسور نيجيريا" على المباراة ...

استطلاع رأي

من هو أفضل جمهور لمنتخبات دول شمال إفريقيا في "كان المغرب"؟

Loading...