الإدارة الذاتية في سوريا لـ "الصحيفة": العالم ليس في حاجة لدويلات صغيرة لذلك الحكم الذاتي المغربي هو صمام الأمان الذي سيُنهي الاستفزازات على حدود الصحراء

 الإدارة الذاتية في سوريا لـ "الصحيفة": العالم ليس في حاجة لدويلات صغيرة لذلك الحكم الذاتي المغربي هو صمام الأمان الذي سيُنهي الاستفزازات على حدود الصحراء
الصحيفة - خولة اجعيفري
الأثنين 1 دجنبر 2025 - 19:00

أشاد بدران جيا كرد، نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بالقرار الأممي الصادر في 31 أكتوبر بشأن مغربية الصحراء، معتبرا إياه نموذجا دالا على أن المجتمع الدولي بات يميل إلى ترسيخ الحلول السياسية داخل الحدود الوطنية للدول.

وأكد كرد أن الإدارة الذاتية تواصلت في الفترة الماضية مع السلطات المغربية عارضة عليها رؤيتها للحل في سوريا، وأضاف أن الرباط عبّرت بشكل واضح عن دعمها لحل سياسي شامل يحفظ وحدة البلاد، ويضمن إشراك جميع المكونات السورية، عربا وأكرادا وسريانا وآشوريين، في صياغة مستقبلهم وهو الموقف "المتقدم والمتّزن" الذي أكد أن الإدارة الذاتية "تثمنه وتتبناه بالكامل".

بدران جيا كرد، وفي رده على سؤال للموقع حول طبيعة علاقتهم مع المغرب وذلك ضمن لقاء رقمي محدود حضرته "الصحيفة" أكد لأول مرة عن طبيعة التواصل الذي جمع إدارته بالمملكة واصفا الموقف المغربي بأنه "من أكثر المواقف العربية والدولية اتزانا ووضوحا" في التعاطي مع الملف السوري.

وأوضح في مستهل حديثه أن السلطات المغربية "دعت دائما إلى حل سياسي شامل يحفظ وحدة سوريا وسيادتها ويضمن المشاركة الكاملة لجميع مكوناتها"، وهو موقف قال إنه "يحظى بتقدير كبير داخل الإدارة الذاتية" مضيفا: "تواصلنا مع السلطات المغربية وبسطنا لهم رؤيتنا المغرب يدعو إلى احترام كل المكونات في سوريا، وهذا موقف نثمنه جدا ونحن معه فيه ونتبناه".

هذا المعطى، في سياق عربي يتجنّب الخوض علنا في مستوى الاتصال مع الإدارة الذاتية، جاء متزامنا مع تأكيد جيا كرد بأن مشروعهم السياسي "لا يسعى إلى أي شكل من أشكال الانفصال" بل يستند إلى مبدأ "الحلول السياسية داخل الحدود الوطنية للدول"، وهو ما جعله يستحضر في سياق حديثه، القرار الأممي الصادر في 31 أكتوبر 2025 بشأن مغربية الصحراء بوصفه "تجسيدا لطريقة جديدة يتعامل بها المجتمع الدولي مع قضايا النزاع، حيث تُحترَم وحدة الدول وتُصان حقوق المكونات عبر آليات حكم ذاتي داخلية، لا عبر إعادة رسم الخرائط وتقسيم الدول".

وأكد بدران جيا كرد، في حديثه عن المغرب وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، أن مبادرة الحكم الذاتي باتت آلية عملية لقطع الطريق أمام التحرشات العسكرية والتهديدات الأمنية التي ظلت تُهدّد الحدود الجنوبية للمملكة طوال سنوات، مشددا على أن الحلول القائمة داخل الحدود الوطنية والمبنية على الاعتراف المتبادل وحقوق المكونات هي الوحيدة القادرة على نزع فتيل التوتر بشكل نهائي.

وقال إن العالم لم يعد بحاجة إلى دويلات جديدة ولا إلى إعادة رسم الخرائط، بل إلى صيغ مثل الحكم الذاتي التي تسمح بإدارة المناطق من قبل سكانها ضمن سيادة الدول، معتبرا أن تطبيق منطق التعايش المشترك الذي يقوم عليه الحكم الذاتي المغربي "سينهي كل مسببات التصعيد ويمنع أي انزلاق عسكري ويحوّل الحدود من خطوط تماس قابلة للاشتعال إلى حدود آمنة ومستقرة".

ومن هذا الباب، انتقل المسؤول الكردي إلى شرح فلسفة الإدارة الذاتية التي تُشكل اليوم واحدا من أكثر النماذج السياسية إرباكا وخضوعا لسوء الفهم في الشرق الأوسط، فمنذ نشأتها عام 2014، وسط انهيار مؤسسات الدولة السورية وصعود التنظيمات المتطرفة "تمكّنت الإدارة من بناء منظومة حكم محلية تمتد على مساحات شاسعة في الشمال الشرقي".

وتضم الإدارة خليطا إثنيا ودينيا شديد التنوع بمن فيهم أكراد، عرب، سريان، آشوريون، أرمن، وشركس كما تدير هذه المكونات عبر مجالس محلية منتخبة وهيئات تنفيذية وتشريعية، شبكة واسعة من البلديات، والدوائر التعليمية، والمستشفيات، وقوات الأمن الداخلي المعروفة بـ"الأسايش" إلى جانب القوة العسكرية الأبرز في الحرب على تنظيم "داعش" قوات سوريا الديمقراطية "قسد".

ورغم أن الإدارة الذاتية ليست معترَفا بها رسميا، فإن موسساتها تشكّل أمرا واقعا معقّدا، تسجّله تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية منذ سنوات فالتحديات الأمنية لا تتوقف بما فيها تهديدات عسكرية تركية متواصلة منذ عملية "نبع السلام" عام 2019، وهجمات بطائرات مسيّرة تستهدف قيادات أمنية وإدارية، وخلايا نائمة لتنظيم "داعش" تظهر بين الحين والآخر في ريف دير الزور والرقة كما تعاني المنطقة من حصار اقتصادي مزدوج من دمشق عبر منع تدفق المحروقات والمواد الأساسية، ومن أنقرة عبر إغلاق المعابر الحدودية وإبقاء خطوط التجارة في أدنى مستوياتها.

وعلى الرغم من هذه الضغوط، تمكّنت الإدارة الذاتية من تطوير نموذج تشاركي قائم على ما يسمّى "الكونفدرالية الديمقراطية" وهو نظام حكم محلي يمنح سلطات واسعة للمجالس المناطقية، ويقوم على تمثيل المكونات كافة داخل آليات اتخاذ القرار فيما تقارير دولية مثل تقارير "مجموعة الأزمات الدولية" لعام 2023 و2024 تشيد بازدياد حضور المرأة في مواقع القيادة ضمن هيكلية الإدارة، لكنها تنبّه في الوقت ذاته إلى هشاشتها البنيوية ونقص التمويل وتداخل سلطات القوى العسكرية والمدنية.

في حديثه خلال اللقاء، كان جيا كرد واضحا في اعتبار أن كل هذه التجربة لم تُبنَ خارج سياق دولي يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الجارية في استراتيجيات القوى الكبرى، فالولايات المتحدة التي تدعم قوات سوريا الديمقراطية منذ 2015 تتعامل مع الإدارة الذاتية بوصفها شريكا أمنيا في مكافحة الإرهاب، لكنها لا تقدّم اعترافا سياسيا أو ضمانات دبلوماسية حول مستقبل المنطقة.

وفي المقابل، تستثمر روسيا حضورها العسكري في دعم دمشق خلال فترة بشار الأسد لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بقنوات اتصال مع الإدارة الذاتية للضغط على تركيا وإن كانت قد خفت حاليا، وبين هذين القطبين، تشعر الإدارة أنها جزء من لعبة أكبر منها، لعبة تُقرّر فيها مصائر المناطق عبر حسابات جيوسياسية لا علاقة لها باحتياجات السكان المحليين.

هنا بالضبط وضع جيا كرد تصريحه الأبرز "نحن لا نطلب دولة، ولا ندعو إلى تقسيم سوريا بل نطلب أن تُدار المناطق من قبل شعوبها ضمن دستور يضمن حقوقهم ويكون علمانيا العالم اليوم ليس بحاجة لدول جديدة بل لتجارب تعايش داخل الحدود" النقلات العسكرية، كما يقول، أثبتت محدوديتها، والحروب من كوباني إلى دير الزور علّمت المنطقة أن الحلول لا تأتي من البنادق، بل من الاعتراف المتبادل بين المكونات لذلك أكد أن مبادئ الإدارة الذاتية "تتقاطع مع نماذج الحكم الذاتي في مناطق أخرى من العالم، ومنها مبادرة الحكم الذاتي التي تقدّمها المغرب كنموذج لحل النزاعات داخل الدول، لا خارجها".

وفي قراءة نقدية للواقع العربي، دعا جيا كرد إلى تجاوز منطق الحدود المغلقة لأن "التفاهم والحوار مع الزمن سيدفع المجتمعات إلى جعل الحدود السياسية عديمة الجدوى، كما حدث في الاتحاد الأوروبي فيما الدول العربية عليها أن تتجاوز العقبات وتجعل الحدود السياسية بالفعل دون أهمية" يقول، في إشارة إلى أن مستقبل المنطقة قد يكون في التكامل وليس في مزيد من التمزيق.

ورغم كل شيء، بدا المسؤول الكردي واقعيا في تقييمه لمكانة الإدارة الذاتية، فالتجربة كما يقرّ، تواجه تحديات اقتصادية قاسية، أبرزها انهيار سعر العملة السورية، وارتفاع معدلات البطالة، وصعوبات تأمين المواد الأساسية، واعتماد جزء كبير من السكان على المنظمات الدولية كما تواجه الإدارة انتقادات حول طريقة إدارتها لملف مخيم الهول والآلاف من نساء وأطفال مقاتلي "داعش" وهو ملف يزيد من تعقيد علاقاتها مع الدول الغربية.

من جهة ثانية، قال نائب الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا إن عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن بنية الجيش السوري لن تكون على حساب هوية هذه القوات أو دورها، مؤكدا أن الدمج لن يُفقد "قسد" خصوصيتها ولا مكانتها التي اكتسبتها خلال سنوات الحرب، بل سيجري وفق صيغة تضمن الحفاظ على بنيتها وخبرتها وتمثيل مكوّناتها.

وأوضح أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع دمشق خضع لنقاشات طويلة ومعقدة، لكنه يمهّد لمرحلة جديدة قوامها تثبيت الاستقرار ومنع عودة التوتر العسكري، مشيرا إلى أن اللجان العسكرية والمدنية المعنية بدأت بالفعل العمل على تنفيذ البنود المتفق عليها، رغم التأخير الذي شهدته المراحل الأولى.

وأكد أن عملية الدمج تُعد خطوة ضرورية لإنهاء أي احتمالات للصدام بين الطرفين، وأن الوصول إلى تفاهمات مشتركة حول مهام "قسد" وصلاحياتها داخل المؤسسة العسكرية السورية يشكل ضمانة لعدم انزلاق الوضع مجددا نحو المواجهة، لافتا إلى أن التحالف الدولي مطّلع على مسار هذه المباحثات ويدعم أي حل يضمن عدم عودة الفوضى وانتعاش خلايا "داعش"، كما شدد على أن الإدارة الذاتية لن تقبل بأي مسار يُهمّش القوات التي خاضت الحرب ضد التنظيم، وأن أي صيغة نهائية يجب أن تكون عادلة وتعكس طبيعة المنطقة وتنوعها.

وأضاف أن الاتفاق برغم تحدياته يفتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع بين دمشق ومؤسسات الإدارة الذاتية، ويعيد توجيه الجهود نحو معالجة الملفات العاجلة في المنطقة، من الخدمات إلى الأمن إلى مسألة المخيمات لكنه بالمقابل حذّر من أن نجاح عملية الدمج يتطلب التزاما جديا من الحكومة السورية ممثلة في رئيسها واحتراما للتفاهمات المتفق عليها، مؤكدا أن "قسد" لن تدخل في أي ترتيبات لا تضمن حقوق المكوّنات التي تمثلها ولا تسمح لها بالاستمرار بدورها في حماية المنطقة.

ومع ذلك، فإن الرسالة الأعمق التي حملها اللقاء المصغر الذي حضرته "الصحيفة" أبعد بكثير من مجرد توضيحات سياسية، فقد أراد جيا كرد أن يؤكّد أن الإدارة الذاتية لا ترى نفسها مشروعا لإعادة رسم الخرائط أو تغيير الحدود، بل نموذجا لإعادة تعريف من يدير تلك الحدود وكيف تُدار العلاقات داخلها، فبالنسبة له، مستقبل المنطقة لن يُبنى على الجبهات العسكرية ببل على صيغ للعيش المشترك تُدرج المكونات المحلية في بنية الدولة بدل إقصائها، وفي هذا السياق، جاء حديثه عن مسار الدمج مع الدولة السورية بوصفه خيارا إستراتيجيا "لا يفقد الإدارة هويتها بل يمنحها شرعية دستورية أوسع" ليعكس تحوّلا في مقاربة الإدارة نحو حلول أكثر براغماتية وأقل تصادمية.

وكان لافتا أن جيا كرد شدّد على أن انفتاح الإدارة الذاتية على المغرب والإمارات وعدد من الدول العربية والغربية جزءا من جهد أكبر تبحث من خلاله عن شركاء يفهمون فلسفتها القائمة على الحلول السياسية داخل الخرائط القائمة، أي داخل الحدود لا خارجها، وعلى أن الحكم الذاتي والدساتير التشاركية هي التي تُنهي الحروب وتُطفئ بؤر التوتر الممتدة من الحدود السورية إلى الحدود الجنوبية للمملكة.

تعليقات
جاري تحميل التعليقات

مَن يُقنع الجزائريين..؟!

خرج المنتخب الجزائري من دور ربع نهائي كأس أمم إفريقيا (2025) المُقامة في المغرب، بعد هزيمة مُستحقة من المنتخب النيجيري بهدفين لصفر مع سيطرة شبه كاملة لـ"نسور نيجيريا" على المباراة ...

استطلاع رأي

من هو أفضل جمهور لمنتخبات دول شمال إفريقيا في "كان المغرب"؟

Loading...