أرادا تصوير "الجزائر الحقيقية" فاعتقلتهما السلطات ورحلتهما.. صانعا محتوى فرنسيان يكشفان تفاصيل قصة اعتقال مهين، ويؤكدان: منطقة القبائل تحت حصار أمني خانق

 أرادا تصوير "الجزائر الحقيقية" فاعتقلتهما السلطات ورحلتهما.. صانعا محتوى فرنسيان يكشفان تفاصيل قصة اعتقال مهين، ويؤكدان: منطقة القبائل تحت حصار أمني خانق
الصحيفة - خولة اجعيفري
الخميس 1 يناير 2026 - 15:00

بينما كان من المفترض أن تكون الجزائر محطة جديدة في سلسلة من الرحلات التي تهدف إلى "تفكيك الصور النمطية عن البلدان المصنَّفة خطرة أو مُساء فهمها" تحوّلت رحلة مصورة لزوجين فرنسيين من صنّاع المحتوى إلى قصة طرد مفاجئ وتجربة أمنية قاسية تكشف الكثير عن المناخ الذي يخيّم اليوم على منطقة القبايل وعن الطريقة التي ينظر بها النظام الجزائري إلى الكاميرات الأجنبية حين تقترب من فضاءات يُشتبه فيها سياسيا.

ولين وجيري، هما ثنائي من صُنّاع محتوى السفر على "يوتيوب" و"إنستغرام" و"تيك توك"، بنحو 400 ألف متابع على منصاتهم مجتمعة بنيا مشروعهما على زيارة "الوجهات التي يُساء فهمها أو تُعتبر خطِرة" من إيران إلى العراق وأفغانستان، لتقديم صورة "أكثر توازنا" عما تنقله نشرات الأخبار التقليدية كما يصفان نفسيهما.

وبناء عليه، فإن رحلتهما إلى الجزائر كما يقولان في مقطع فيديو جرى بثه عبر صفحاتهم خطَّط له في هذا الإطار كاستمرار لخطّ تحريري واحد هو تصوير "الجزائر الحقيقية" الإنسانية والضيافة والحياة اليومية بعيدا عن التسطيح الإعلامي، وهكذا على امتداد حوالي ثلاثين يوما عبرا الجنوب الصحراوي في دجانيت مرَّا بالعاصمة الجزائر، ثم صعدا نحو بجاية وقرى في عمق القبائل، حيث قدّما في فيديوهات سابقة صورة حافلة بالإعجاب والشغف بالبلد وسكانه.

لكن في دجنبر الجاري، وفي لحظة سياسية متوترة في الجزائر عموما وفي منطقة القبائل خصوصا انعطف مسار الرحلة فجأة. ففي الرابع عشر من الشهر نفسه، أعلنت الحركة من أجل تقرير مصير القبائل MAK بشكل رمزي "استقلالها" عن النظام الجزائري من باريس، ما مثّل ذروة جديدة في الصراع المفتوح بين السلطة وهذه الحركة وأفضى إلى تشديد غير مسبوق للقبضة الأمنية على المنطقة، كما لاحظت وسائل إعلام معارضة وقبائلية تحدثت عن "غلاف أمني خانق" و"مناخ من الشك المعمّم" في قرى ولاية تيزي وزو.

في هذا السياق، حلّ الزوجان الفرنسيان في قرى سهل وتيفردو وبني يني، المعروفة أيضا باسم آث ينير أي "قرية الحُلي" في قلب قبائل تيزي وزو وكانت الضيافة المحلية في بيت تقليدي للإيواء بداية امتدادا لما اعتبراه "أفضل ما في الجزائر" هو كرم الأهالي، بساطة الحياة، وفضول سكان المنطقة تجاه الأجانب لكن ما لم يكونا يعلمان كما يرويان في شهادتهما، هو أن وجودهما كان تحت المراقبة منذ اللحظة الأولى، وأن السلطات كانت قد تواصلت مع صاحب بيت الضيافة، وطلبت منه إبلاغها فور وصولهما.

الصدمة حصلت مساءً، عند خروجهما لتصوير غروب الشمس في الجبال المحيطة، فعند باب بيت الضيافة تقريبا وجدا نفسيهما وفق روايتهما، أمام نحو خمسة عشر رجلا بلباس مدني بلا شارات رسمية ولا بطاقات تعريف تحركوا كجهاز موحد، وطلبوا منهما مرافقتهم فورا فيما لم يُقدَّم لهما في البداية، أي تفسير واضح، فلا لا مذكرة ولا اتهام محدد فقط أوامر قصيرة وحضور بدني كثيف واستخدام لنبرة متصاعدة في الحدة.

ونُقل الزوجان إلى مدينة تيزي وزو، حيث وجدا نفسيهما أمام مبنى تحيط به جدران عالية وأسلاك شائكة كما يصفان في الفيديو الذي نشراه لاحقا على قناتهما بعنوان On se fait ARRÊTER, ENFERMER et EXPULSER D'ALGÉRIE (Peur de notre vie) هناك، خضعا لاستجواب طويل امتد لساعات، فيما تشير بعض المصادر إلى أنه دام نحو ثماني ساعات متواصلة دارت أسئلته حول كل شيء تقريبا بما فيها خلفيتهما الشخصية، ديانتهما و مصادر تمويل رحلاتهما ودوافع اختيار الجزائر ولماذا يصوران في قلب القبائل وما إذا كانا "صحافيين متخفّين" ينفذان تقريرا "موجّها" عن المنطقة.

وتقول لين في شهادتها المصورة إنها خضعت لتفتيش جسدي مهين، حيث طُلب منها التعري إلى حد الملابس الداخلية أمام شرطية، في غرفة تخشى أن تكون مزودة بكاميرات مراقبة وتصف التجربة بأنها "صادمة" وتركت لديها أثرا نفسيا ثقيلا.

أما جيري، فيتحدث عن مزيج من التوتر والخوف وعدم الفهم في قوله "لم نُبلَّغ بشكل واضح عن الجهة التي تحقق معنا ولا عن صفتها ولا عن حقوقنا" بينما كان هاجسهما الأكبر هو هل سيتحوّل الأمر إلى متابعة بتهم "أمنية" في بلد يعرفان أنه يعيش توترات سياسية وقضائية معقّدة؟

بعد هذه الليلة الأولى تم الإفراج عنهما مؤقتا، وأعيدا إلى بيت الضيافة نفسه، في مشهد بدا كأنه إشارة إلى أن "سوء الفهم" انتهى، على الأقل هذا ما اعتقداه وفق تعبيرهم لكن، في صباح اليوم التالي حين شرع جيري في إجراء مكالمة عبر هاتفه لطمأنة عائلته في فرنسا كما يروي، اندفع شخص يعتقد أنه من جهاز أمني وانتزع الهاتف بعنف من يده بعدها بقليل، ظهر عناصر آخرون، ليُقتادا من جديد إلى تيزي وزو لكن هذه المرة في إطار أكثر صرامة إذ تم تجريدهم من هواتفهم وحواسيبهم وكاميراتهم وبطاقات الذاكرة، وطُلبت منهم كلمات السرّ للوصول إلى حساباتهم وأرشيف صورهم وفيديوهاتهم.

في الساعات التالية، يروي الزوجان أنهما وُضعا في فندق محاط بحراسة مشددة، حيث خضعا لنوع من "الاحتجاز غير المُعلن" لا هما أحرار في حركتهما ولا توجد إجراءات قضائية ظاهرة توضح وضعيتهما القانونية حيث حرّاس بلباس مدني يرافقون تحركاتهما داخل الفندق، مراقبة مستمرة، ومنع من التواصل الحر مع الخارج.

بالنسبة لزوجين اعتادا السفر في مناطق حساسة من إيران إلى أفغانستان، كانت تلك اللحظة كما يقولان، من أكثر التجارب رعبا في مسيرتهما لأنها جمعت بين الغموض القانوني والمراقبة الأمنية اللصيقة وتضييق كامل على وسيلتهما الوحيدة لسرد قصتهما الكاميرا.

في نهاية المطاف، أُبلغا بقرار ترحيلهما إلى فرنسا ونُقلا إلى مطار الجزائر العاصمة، ووُضعا على متن رحلة عائدة إلى باريس بعد أن أُجبرَا بحسب ما يقولان على شراء تذكرتيهما بنفسيهما تحت إشراف عناصر من وحدة متخصصة تحدثت بعض المصادر عن أنها من "الفرقة البحث والتدخل".

وفي لحظة المغادرة، أُعلن لهما أيضا أنهما ممنوعان من دخول الأراضي الجزائرية لمدة خمس سنوات، وهي معلومة ترد أساسا في روايتهما المصورة وفي بعض التغطيات دون أن تتبنّاها أي جهة رسمية جزائرية بشكل علني حتى الآن.

السلطات الجزائرية التزمت الصمت حتى الساعة، إذ لم تُصدر وزارة الداخلية ولا الخارجية بيانا يشرح قانونيا أسباب توقيفهما، أو الأساس الذي بُني عليه قرار الطرد أو ما إذا كان الأمر يتعلق بمخالفة مرتبطة بترخيص التصوير أو بشبهات سياسية أو باعتبارهما "تهديدا أمنيا"، وهذا الفراغ الرسمي ترك المجال مفتوحا أمام تحليلات متضاربة، لكن قاسما مشتركا يبرز بوضوح أن ما حدث يُقرأ باعتباره نتيجة مباشرة لتشديد القبضة الأمنية على منطقة القبائل في أعقاب تصنيف الحركة من أجل تقرير مصير القبائل MAK كـ"منظمة إرهابية" وجرّ كل التعبير السياسي أو المدني في المنطقة إلى حقل الاشتباه، تحت مظلة المادة 87 مكرر من القانون الجنائي التي وسّعت منذ 2021، تعريف "الإرهاب" ليشمل أفعالا وعبارات احتجاجية سلمية.

في هذا المناخ، لم تعد الكاميرا الأجنبية تُرى كأداة توثيق بريئة أو مشروع محتوى سياحي، بل كاحتمال تقرير صحافي أو مادة دعائية معادية أو شهادة مرئية قد تُستثمر سياسيا في الخارج، وحين يختار زوجان فرنسيان منطقة القبائل تحديدا لتصوير "الجزائر الحقيقية" يصبح كل عنصر من عناصر قصتهما محل تأويل بما فيه اختيار قرى ذات حساسية سياسية، حضور في لحظة تتزامن مع إعلان "استقلال رمزي" من حركة انفصالية في المنفى، وكونهما فرنسيين في بلد لا تزال ذاكرة الحرب الاستعمارية والملفات التاريخية العالقة تثقل علاقته مع باريس.

وما يعمّق هذه القراءة هو تراكم هذه القضية مع أخرى أكثر حدة هي ملف الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم بالسجن سبع سنوات بتهم ذات صلة بـ"الإرهاب" و"الإضرار بالمصلحة الوطنية" والذي أصبح بدوره ورقة حساسة في مسار العلاقات المتقلّبة بين باريس والجزائر.

وفي الخلفية، يتشكل مشهد عام وهو نظام شديد الحساسية تجاه صورته الخارجية ويستعمل ترسانة قانونية واسعة في مجال "مكافحة الإرهاب" و"محاربة الأخبار الزائفة" ويفسح في الوقت نفسه، مجال تحرك ضيقا للغاية أمام أي فاعل خارجي يحاول إنتاج خطاب مستقل عن المشهد الداخلي سواء أكان صحافيا، ناشطا، أو حتى يوتوبرا يأتي وهو يحمل نوايا "تبييض الصورة".

وتحوّلت قصة لين وجيري إلى ما يشبه "المختبر المصغر" لفهم طبيعة القبضة الأمنية في القبائل اليوم. فمن جهة، هناك واقع اجتماعي محلي استقبلهما بحفاوة سكان في قرى بني يني وسهل وتيفردو كما تظهر مقاطع فيديو سابقة، يتعاملون معهما بفضول وترحاب ويقدّمون للكاميرا صورة لـ"جزائر أخرى" دافئة وبعيدة عن المانشيتات الصدامية.

ومن جهة أخرى، هناك جهاز أمني لا يرى في هذه الكاميرات سوى تهديد محتمل، يربط حضورها بشبح "التجزئة الترابية" و"التلاعب الخارجي" فيما بين المستويين، تُسحق في أحيان كثيرة المساحة الرمادية التي يمكن أن تسمح بتعايش السياحة والتوثيق الرقمي والحق في الصورة مع هواجس الدولة واستراتيجياتها الأمنية.

القفطان.. وأزمة الهوية عند الجزائريين

طُويت معركة أخرى أرادت الجزائر أن تخوضها ضد المغرب، وهذه المرة ليس في مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء، بل داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، التي تعقد ...

استطلاع رأي

مع قُرب انطلاق نهائيات كأس إفريقيا للأمم "المغرب2025".. من تتوقع أن يفوز باللقب من منتخبات شمال إفريقيا؟

Loading...