الانقسام بين الرياض وأبوظبي في اليمن.. من التحالف إلى المواجهة حول الجنوب
في الأيام الأخيرة من ديسمبر ۲۰۲۵، وصلت التوترات الخفية بين القوتين الرئيسيتين في الخليج، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى ذروتها على الأراضي اليمنية، مما أدى إلى قصف جوي نفذته قوات التحالف بقيادة السعودية على ميناء المكلا في محافظة حضرموت، وهو الإجراء الذي لم يضع العلاقات بين البلدين تحت ضغط شديد فحسب، بل جعل مستقبل الحرب الأهلية في اليمن أكثر تعقيداً. هذا الحدث، الذي ينبع من خلافات عميقة حول السيطرة على جنوب اليمن، يعكس الشقاق المتزايد في التحالف ضد الحوثيين الذي تشكل عام ۲۰۱۵.
السعودية، كقائدة للتحالف، تؤكد دائماً على الحفاظ على وحدة اليمن، بينما تدعم الإمارات القوات الانفصالية الجنوبية، سعياً وراء مصالحها الاستراتيجية في الموانئ والجزر والطرق التجارية الرئيسية. هذا التوتر الأخير، الذي بدأ بتقدم سريع للمجلس الانتقالي الجنوبي (STC)[۱] في المحافظات النفطية حضرموت[۲] والمهرة، لم يهدد أمن الحدود السعودية فحسب، بل أدى إلى إلغاء الاتفاق الدفاعي بين مجلس القيادة الرئاسي اليمني والإمارات، وأجبر الإمارات في النهاية على الإعلان عن سحب قواتها المتبقية من اليمن طوعاً.
لاستيعاب عمق هذه الأزمة، يجب العودة إلى السياق التاريخي لحرب اليمن. بدأت الحرب الأهلية في اليمن عام ۲۰۱۴ مع تقدم الحوثيين[۳]، وفي مارس ۲۰۱۵، شكلت السعودية تحالفاً يضم الإمارات والبحرين ودولاً أخرى، وبدأت عملية عسكرية بعنوان "عاصفة الحزم" لإعادة الحكومة الشرعية بقيادة عبد ربه منصور هادي إلى السلطة. لعبت الإمارات دوراً رئيسياً في هذا التحالف، حيث أرسلت آلاف الجنود وسيطرت على أجزاء من جنوب اليمن.
لكن منذ عام ۲۰۱۹، أصبحت الخلافات واضحة؛ قلصت الإمارات قواتها تدريجياً وركزت على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يقوده عيدروس الزبيدي ويهدف إلى إحياء استقلال جنوب اليمن (كما كان قبل الوحدة بين الشمال والجنوب عام ۱۹۹۰). تنبع سياسة الإمارات هذه من مصالح اقتصادية واستراتيجية: تسعى أبوظبي إلى السيطرة على الموانئ الرئيسية مثل عدن والمكلا، والجزر مثل سقطرى[۴]، لتأمين طرق التجارة في البحر الأحمر[۵] وخليج عدن والمحيط الهندي.
في المقابل، ترى السعودية، التي تشترك في حدود طويلة مع اليمن، أي انفصالية تهديداً لأمنها الوطني، إذ قد تؤدي إلى عدم استقرار حدودي وزيادة نفوذ إيران. رافقت هذه الخلافات في السنوات الأخيرة اشتباكات متفرقة بين القوات المدعومة من البلدين، لكن أحداث ديسمبر ۲۰۲۵ رفعتها إلى مستوى جديد.
بدأت تفاصيل الأزمة الأخيرة في أوائل ديسمبر، عندما شنت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي عملية عسكرية واسعة للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة. هاتان المحافظتان، الواقعتان في شرق اليمن وقريبتان من حدود السعودية وعمان، غنيتان بالموارد النفطية ولها موقع استراتيجي.
كان تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم لوجستياً ومالياً من الإمارات، سريعاً، حيث أجبر القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي (المدعوم من السعودية) على التراجع، وسيطر على حقول النفط والموانئ والمعابر الحدودية. وصفت السعودية هذه الإجراءات بـ"التصعيد غير المبرر" وحذرت من عواقب عبور "الخطوط الحمراء" الأمنية لها. بلغ التوتر ذروته في ليلة ۲۹-۳۰ ديسمبر، عندما قصفت قوات التحالف السعودي ميناء المكلا.
ادعى الرياض أن الهجوم استهدف شحنة من الإمارات تضم مركبات مدرعة وأسلحة وذخائر للمجلس الانتقالي الجنوبي. نشرت السعودية تفاصيل إضافية، مشيرة إلى أن هذه الشحنة تشكل تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، إذ قد تؤدي إلى اشتباكات إضافية على الحدود.
رفضت الإمارات هذه الاتهامات، مؤكدة أن الشحنة تحتوي فقط على معدات لقواتها المكافحة للإرهاب، وليس للمجلس الانتقالي الجنوبي. ومع ذلك، بعد هذا الحدث، أعلن مجلس القيادة الرئاسي اليمني حالة الطوارئ، وألغى الاتفاق الدفاعي مع الإمارات، ومنح القوات الإماراتية مهلة ۲۴ ساعة لمغادرة الأراضي اليمنية. أعلنت الإمارات، التي كانت لديها فقط بضع مئات من قوات مكافحة الإرهاب في اليمن، أنها ستسحبها "طوعاً" لتهدئة التوتر.
من منظور خبري، هذه التوترات أكثر من نزاع محلي، فهي تعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع في الشرق الأوسط. تسعى السعودية، تحت قيادة محمد بن سلمان، إلى تثبيت موقعها كقوة رئيسية في الخليج الفارسي، وترى اليمن جزءاً من نطاق نفوذها التقليدي. أما الإمارات، بقيادة محمد بن زايد، فقد اعتمدت سياسة خارجية أكثر جرأة، ومن خلال الاستثمار في جنوب اليمن، بما في ذلك توسيع الوجود العسكري والاقتصادي في الجزر الاستراتيجية، تسعى إلى بناء "حزام أمني" ضد التهديدات الإيرانية وتوسيع نفوذها الاقتصادي.
قد يضعف هذا الخلاف التحالف ضد الحوثيين، إذ قد يستغل الحوثيون هذا الشقاق لتقدم أكبر، خاصة في البحر الأحمر حيث تستمر هجماتهم على السفن. بالإضافة إلى ذلك، تؤثر هذه الأزمة على العلاقات الدولية؛ الولايات المتحدة، التي تعتبر البلدين حليفين لها، بدأت جهود وساطة، لكن نجاحها غير مؤكد. من ناحية أخرى، قد تستفيد إيران من هذا التوتر لتعزيز دعمها للحوثيين، بينما تلعب عمان وقطر دور الوسطاء المحايدين.
الآثار الاقتصادية أيضاً ملحوظة: قد يعيق الاضطراب في الموانئ الجنوبية تصدير النفط اليمني ويؤثر على الأسواق العالمية، بينما تخشى السعودية نفوذ الإمارات في منظمة أوبك بلس. في النهاية، قد تؤدي هذه الأحداث إلى تصعيد الحرب الأهلية في اليمن، حيث قتل أكثر من ۱۵۰ ألف شخص حتى الآن، ويعاني الملايين من خطر المجاعة. بدون حوار جدي بين الرياض وأبوظبي، قد يتجه مستقبل اليمن نحو تفكك أكبر، وهو أمر يشكل تحدياً ليس للمنطقة فحسب، بل للأمن العالمي أيضاً.
باحث في العلاقات الدولية



