أكادير تعيش نشوة "الكان" تحت وقع عاصفة "فرانسيس".. استنفار شامل، تعليق للدراسة، استعدادا لعاصفة غير مسبوقة
في أكادير، التي تحولت منذ أيام إلى واحدة من أبرز العواصم الرياضية الإفريقية مع انطلاق كأس أمم إفريقيا، لم يعد المشهد اليوم محصورا في الهتافات والاحتفالات والأعلام التي تملأ الشوارع والساحات العامة، بل أصبح يتقاطع مع حالة يقظة قصوى واستنفار واسع تعيشه مختلف المصالح بعد أن وُضعت المدينة، التي تقع في قلب جهة عانت طويلا من الجفاف ونقص الموارد المائية، أمام احتمال اضطرابات جوية غير عادية مرتبطة بالعاصفة "فرانسيس" مع توقعات بتساقطات مطرية "جد قوية" قد تصل إلى 120 ملم على مستوى إقليم أكادير إداوتنان، في ظرف زمني وجيز.
وتفيد مصادر "الصحيفة"، أنه منذ الساعات الأولى ليومي الجمعة والسبت دخلت السلطات الولائية بأكادير في سباق مع الزمن تحت إشراف مباشر لوالي جهة سوس ماسة، سعيد أمزازي حيث عُقدت اجتماعات مكثفة ومتتالية جمعت السلطات الترابية والأمنية والمصالح التقنية والجماعات المحلية والوقاية المدنية ومختلف المتدخلين، لتقييم الوضع المرتبط بالنشرات الانذارية للأرصاد الجوية، واتخاذ كل الإجراءات الوقائية التي تراعي حساسية المرحلة ودقة الظرفية، خصوصا أن المدينة تحتضن هذه الأيام حدثا قاريا ضخما، وتستقبل آلاف الجماهير الإفريقية والمغربية والعربية.
القرار الأول كان واضحا، وتجلى في رفع مستوى اليقظة إلى أقصاه والتحرك مبكرا قبل وصول ذروة الاضطرابات الجوية لذلك انطلقت عمليات تقنية واسعة شملت تنظيف قنوات ومجاري صرف مياه الأمطار وإزالة الأتربة والرواسب وكل الشوائب التي قد تتسبب في انسدادها، وفتح الممرات المائية لتسهيل انسياب المياه.
وجرت أيضا عملية تفقد دقيقة لعدد من النقاط التي تُعرَف محليا بأنها "مناطق حساسة" وتعرضت في تساقطات سابقة لتجمعات مائية أو فيضانات جزئية إذ تمت مراقبة وضعية الأودية الصغيرة ومجاري المياه الطبيعية، والتأكد من جاهزية البنيات الأساسية والطرقية للتعامل مع كميات كبيرة ومركزة من الأمطار خلال فترة قصيرة.
وبموازاة ذلك، اتُخذت قرارات عملية مباشرة ذات أثر على النشاط الاقتصادي والاجتماعي للمدينة فقد قررت السلطات، بتنسيق وثيق مع جمعيات التجار، إغلاق المركب التجاري "سوق الأحد" أكبر مركز تجاري شعبي في المغرب وأفريقيا وأحد أهم فضاءاتها الاقتصادية، أيام السبت والأحد والاثنين بشكل كلي.
القرار لم يكن سهلا بالنظر إلى أهمية السوق اقتصاديا واجتماعيا، لكنه جاء من باب الاحتياط لتجنب أي خسائر محتملة في حالة وقوع فيضانات داخلية، أو تسربات مائية واسعة قد تمس المحلات والبضائع وتعرض حياة المترددين للخطر.
القطاع التعليمي بدوره لم يكن بعيدا عن منطق الاستباق، المديريات الإقليمية للتربية الوطنية بأكادير إداوتنان، اشتوكة أيت باها، وتارودانت أعلنت تعليق الدراسة ابتداء من مساء الجمعة 2 يناير وإلى غاية الاثنين 5 يناير وهذا القرار جاء لتقليص التنقلات خلال فترة يُتوقع فيها هطول أمطار غزيرة مصحوبة برياح قوية، ولتأمين التلاميذ والأطر التعليمية، خاصة في المناطق التي تعرف طرقا وعرة أو بنيات تحتية معرضة أكثر لتأثير الأمطار.
وعلى الأرض، تُترجم هذه القرارات إلى تعبئة ميدانية واسعة فمصالح الوقاية المدنية عبأت كل مواردها البشرية واللوجستيكية، وتم إرسال شاحنات التدخل وسيارات الإسعاف وآليات مواجهة الكوارث الطبيعية إلى عدد من النقاط المحيطة بأكادير.
وشملت هذه التعبئة مناطق تيكيوين، الدراركة، أورير، تمراغت، تغازوت، أغروض، إيمي وادار، وتامري في اتجاه الصويرة، وهي مناطق وقرى تعرف كثافة سكانية وتوجد بالقرب من وديان ومجاري مائية أو في مناطق منخفضة، ما يجعلها أكثر عرضة لاحتمالات الخطر عند هطول تساقطات عنيفة فيما اختيار هذه المناطق لم يكن اعتباطيا فهو يستند إلى تجارب سابقة وإلى خرائط المخاطر التي تراكمت عبر سنوات من التعاطي مع حالات جوية مماثلة.
الدينامية الاستباقية امتدت كذلك إلى المستوى المحلي الدقيق ففي الملحقة الإدارية الرابعة (المركز)، باشرت السلطات تدخلات ميدانية مباشرة تحت إشراف قائد الملحقة، وبمشاركة القوات المساعدة وأعوان السلطة.
وهذه التدخلات شملت مراقبة وضعية أحياء سيدي يوسف، المسيرة، الوفاء، الخيام، والمناطق المجاورة لوادي الحوار إلى جانب تتبع وضعية الأزقة والمناطق السكنية المنخفضة التي قد تتحول إلى بؤر تجمع للمياه وتم التنسيق مع المصالح الجماعية والتقنية المختصة، بهدف ضمان سرعة التدخل فور تسجيل أي طارئ، سواء تعلق الأمر بفيضانات محتملة، انسداد قنوات، أو أضرار بالبنيات الأساسية.
على مستوى التواصل، اعتمدت السلطات الإقليمية مقاربة واضحة ومباشرة مع الساكنة فقد صدرت دعوات رسمية تدعو المواطنين إلى توخي الحيطة والحذر، والالتزام بالإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، خاصة ما يتعلق بتجنب المجازفة في الأماكن المعرضة للخطر أثناء التساقطات أو هبوب الرياح القوية، الابتعاد عن مجاري المياه، وتجنب التنقلات غير الضرورية خلال ذروة الاضطرابات الجوية كما تم التأكيد على ضرورة الاعتماد فقط على البلاغات الرسمية والنشرات المعتمدة، تفاديا للشائعات والمعلومات غير الدقيقة، في لحظة حساسة تتطلب قدرا كبيرا من الانضباط المدني.
لكن كل هذه الصورة المرتبطة بالاستعداد للعاصفة "فرانسيس" لا يمكن فصلها عن سياق خاص جدا تعيشه أكادير اليوم فالمدينة ليست في وضع اعتيادي هي تحتضن منذ أيام مباريات كأس أمم إفريقيا، ما جعلها مركزا جذبا لآلاف الجماهير القادمة من مختلف أنحاء المغرب وإفريقيا.
الفنادق ممتلئة، المطاعم تعيش ضغطا يوميا غير مسبوق، الكورنيش يعج بالزوار، والأعلام الإفريقية ترفرف في كل مكان والمقاهي تحولت إلى فضاءات كبيرة لمتابعة المباريات، والمدينة تعيش دينامية اقتصادية وسياحية وثقافية مكثفة.
الجماهير القادمة من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، ومن شمال إفريقيا والعالم العربي، ملأت أجواء المدينة بحماس وتجربة إنسانية استثنائية لكن هذه الجماهير نفسها أصبحت جزءا من معادلة التعامل مع الطقس، لأنها جزء من حركة المدينة وتنقلاتها وحساسيتها.
ولذلك، فإن أي اضطراب جوي قوي ستكون له انعكاسات على تدبير تدفقات الجماهير، الحركة الطرقية، وبرمجة الأنشطة المصاحبة وتزداد رمزية هذه اللحظة عندما نضعها في سياق الجفاف الذي عانت منه جهة سوس ماسة لسنوات، حيث تراجع مخزون الموارد المائية، وتأثر النشاط الفلاحي، وتغيرت أنماط العيش بفعل نقص التساقطات.
المدينة التي "اشتاقت" للأمطار تجد نفسها اليوم أمام احتمال استقبال كمية كبيرة منها دفعة واحدة لذلك، فإن المطر بالنسبة لسكان أكادير هو عنصر يحمل في ذاته التناقض هو نعمة ينتظرها الجميع منذ سنوات، لكنه قد يتحول إلى خطر إذا جاء بشكل عنيف وغير متدرج.
وسط هذا كله، تبدو أكادير اليوم أمام امتحان مزدوج حول كيف تحمي الأرواح والممتلكات وتضمن سلامة السكان والزوار؟ وكيف تحافظ في الوقت نفسه على انتظام حدث قاري ضخم، يمثل صورة المغرب أمام إفريقيا والعالم؟ الإجابة العملية التي أظهرتها المدينة حتى الآن تتمثل في مقاربة تقوم على الاستباق، التنسيق المؤسسي، التعبئة الشاملة، والتواصل المستمر مع الساكنة.




