لماذا فرضت واشنطن الكفالة على النظام العسكري الجزائري واستثنت المغرب ومصر وتونس؟
لم يعد قرار الولايات المتحدة الأمريكية فرض كفالة مالية على طالبي التأشيرة من الجزائر مجرد إجراء إداري عابر، بل تحول إلى صفعة سياسية صامتة في وجه نظام عسكري استنفد كل أوراقه، ولم يعد قادرا حتى على إخفاء صورته المهشمة أمام حلفائه قبل خصومه.
فالاستثناء الواضح للمغرب ومصر وتونس من هذا الإجراء، مقابل استهداف الجزائر وحدها في شمال إفريقيا، لا يطرح فقط سؤال المعايير التقنية، بل يفتح جرحا أعمق: ما الذي يجعل نظاما بعينه يفقد الثقة الدولية إلى هذا الحد؟ وما الذي يدفع قوة عظمى إلى إرسال رسالة ردع غير معلنة، لكنها شديدة الوضوح، عبر أداة الهجرة والتأشيرات؟
في السياسة، لا تصدر القرارات الكبرى من فراغ، ولا تتخذ بلا ذاكرة. وما يبدو اليوم إجراء ماليا تقنيا، يخفي في عمقه حكما سياسيا قاسيا على نظام اختار العسكرة بدل الدولة، والدعاية بدل الشرعية، والعداء المزمن للمغرب بدل بناء الداخل.
لقد راكم النظام العسكري الجزائري، عبر سنوات طويلة، صورة دولة غير متعاونة، متقلبة الخطاب، عدوانية الرمزية، وعاجزة عن ضبط تناقضاتها، فكان طبيعيا أن يتحول مواطنوه، ظلما، إلى ضحايا لسياسات هجرة عقابية لا تستهدفهم كأفراد، بل تستهدف النظام الذي يحتكر تمثيلهم.
أثار هذا القرار موجة واسعة من التساؤلات، ليس فقط بسبب طبيعته التقييدية، بل بسبب انتقائيته الجغرافية والسياسية. ففي المستوى الأول، تقدم الإدارة الأمريكية مبررات تقنية وإدارية تبدو، في ظاهرها، منسجمة مع منطق تدبير الهجرة: ارتفاع معدلات تجاوز مدة الإقامة القانونية، ضعف مؤشرات الامتثال لقواعد الدخول والخروج، صعوبات التعاون القنصلي في إعادة القبول، وتقييمات سلبية متراكمة صادرة عن المصالح القنصلية الأمريكية.
كما يندرج القرار ضمن سياق استباقي أوسع مرتبط بالتحضير لكأس العالم 2026، وما يرافقه من مخاوف ضغط بشري وأمني على منظومة الهجرة. وهي أسباب لا يمكن القفز عليها، لأنها تنتمي إلى منطق إدارة المخاطر في السياسات العمومية.
غير أن التفكير النقدي يعلمنا أن الاكتفاء بالتفسير الرسمي قد يحجب أبعادا أخرى غير معلنة. ففي أدبيات التفكير النقدي نعي تماما أن التزامن الزمني لا يعني بالضرورة علاقة سببية، وأن التعاقب لا يقوم مقام العلية. وقد صاغ سبينوزا هذا المبدأ بوضوح حين رفض منطق "بعده إذا سببه"، مميزا بين الترتيب الزمني والتفسير السببي.
غير أن هذا التحفظ الفلسفي لا يمنع من القول إن التزامن قد يتحول، في منطق الأنظمة السياسية، إلى مؤشر دال على السببية بمعناها البراغماتي والرمزي، حيث تستثمر الأحداث المتزامنة لتسريع إعلان قرارات كانت قيد الإعداد، أو لإعطائها غطاء سرديا ينسجم مع تصورات مسبقة عن دولة أو نظام بعينه.
من هذا المنظور، يصعب تجاهل التزامن اللافت بين إعلان الكفالة الأمريكية وحادثة مثيرة للجدل جرت داخل مدرجات ملعب أمير مولاي الحسن بالرباط، خلال إحدى مباريات كأس أمم إفريقيا. فقد ظهر مشجع جزائري في سلوك مهين ومخالف لأعراف الملاعب، داخل فضاء رياضي يحمل دلالة سيادية واضحة.
وبغض النظر عن الطابع الفردي الظاهر للواقعة، فقد جرى تضخيمها وتدويرها إعلاميا على نحو يوحي بأنها لم تكن مجرد حادث عابر، بل أداة تشويه رمزي استهدفت صورة المغرب كبلد منظم ومضيف للتظاهرات القارية. هنا لا نتحدث عن إثبات قضائي، بل عن قراءة سياسية لسياق معروف: توظيف الرياضة كامتداد للصراع الرمزي بين الدول.
ولم تكن هذه الواقعة معزولة عن سوابق موثقة في سلوك الإعلام العسكري الجزائري، الذي دأب، في مناسبات رياضية كبرى، على ممارسة الإنكار المتعمد لكل ما يمت بصلة إلى نجاح المغرب. ففي كأس العالم بقطر، حين حقق المنتخب الوطني المغربي انتصارات تاريخية على منتخبات كبرى، لوحظ أن هذا الإعلام لم يكن يذكر اسم المنتخب المغربي المنتصر، بل يكتفي بالقول إن "المنتخب الإسباني انهزم" أو إن "المنتخب البرتغالي خرج"، دون أدنى ذكر للمنتخب المغربي الذي صنع الحدث.
وقد تحولت هذه الممارسة إلى فضيحة إعلامية مكشوفة، شاعت في الإعلام العربي، بل وحتى في الإعلام الأجنبي، باعتبارها نموذجا فجا للدعاية العدائية التي تبلغ حد الحمق والعبث، وتعكس عجزا نفسيا وسياسيا عن الاعتراف بإنجاز رياضي تاريخي لدولة جارة.
هذا السلوك الإعلامي الشاذ ليس تفصيلا عابرا، بل يعكس عقيدة مؤسساتية ترى في الاعتراف بالمغرب هزيمة رمزية، حتى ولو تعلق الأمر بالرياضة. وهو ما يؤكد أن توظيف الملاعب، والمباريات، والخطاب الرياضي، يدخل ضمن استراتيجية تشويه ممنهجة، لا ضمن زلات معزولة أو أخطاء مهنية.
هذا يقودنا إلى تفكيك البنية الأوسع التي تنتج مثل هذه السلوكيات. فالنظام العسكري الجزائري لا يتعامل مع الفضاء الرياضي بوصفه مجالا شعبيا حرا، بل باعتباره امتدادا للمنظومة الأمنية والدعائية. وهو نظام لا يسمح، في الغالب، بالسفر المنظم إلى التظاهرات الدولية إلا لفئات خاضعة للضبط والمراقبة، بينما يتم تهميش الجماهير الحرة غير المنخرطة في هذا المنطق. ومن ثم يصبح التساؤل مشروعا عما إذا كانت بعض الأفعال الاستفزازية تدخل ضمن استراتيجيات الإساءة غير المباشرة، لا بوصفها أفعالا فردية بريئة، بل رسائل مغرضة موجهة.
ورغم ذلك، ينبغي التمييز بوضوح بين النظام العسكري الجزائري والشعب الجزائري. فالجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، التي حضرت في مناسبات رياضية وثقافية عديدة، قدمت صورة مغايرة تماما، قائمة على الاحترام والانضباط والتعايش. وهي جالية تمثل في معظمها القيم الحقيقية للمجتمع الجزائري، بعيدا عن منطق العسكرة والتوظيف الأمني، ما يؤكد أن الإشكال ليس في الشعب، بل في نظام يحتكر التمثيل ويصادر الرمزية.
غير أن النزاهة التحليلية تقتضي الإقرار بوجود فئة ثالثة هجينة، لا يمكن إدراجها لا في خانة الشعب الحر ولا في خانة السلطة الصلبة، وهي فئة تم تدجينها تدريجيا عبر خطاب الإعلام العسكري الجزائري، وتشربت سردياته العدائية، حتى صارت تضمر عداء وحقدا مبيتا تجاه المغرب، البلد الجار، خارج أي منطق عقلاني أو وعي تاريخي مشترك. هذه الفئة لا تمثل المجتمع الجزائري في تنوعه وعمقه، لكنها تشكل نتاجا مباشرا لسنوات طويلة من التعبئة الإيديولوجية، والتضليل الإعلامي، وبناء الوعي على الخوف والخصومة الوهمية.
وهي فئة يجري توظيفها، متى اقتضت الحاجة، كذراع مسيس للدعاية العدائية، سواء في الفضاء الرقمي، أو في المناسبات الرياضية، أو في الحملات الممنهجة لتشويه صورة المغرب. وجود هذه الفئة لا ينفي حقيقة الشعب الجزائري، لكنه يؤكد خطورة العنف الرمزي الذي تمارسه الأنظمة العسكرية حين تحول الإعلام من أداة إخبار إلى أداة تشكيل عداء مزمن.
ولا يمكن فهم هذا المسار العدائي المتكرر إلا بوضعه داخل البنية النفسية والسياسية للنظام العسكري الجزائري، نظام قام، منذ الاستقلال، على حقد تاريخي متجذر تجاه المملكة المغربية. فهذا الحقد لم يكن يوما رد فعل على سياسة مغربية بعينها، بل تحول إلى مكون بنيوي في عقيدة العسكر، يُستعمل لتعويض غياب الشرعية الشعبية، وتبرير عسكرة الدولة، وإدامة حكم مغلق يرفض الانتقال الطبيعي إلى دولة مدنية.
لم يبن هذا النظام هويته على مشروع تنموي أو ديمقراطي، بل على صناعة عدو خارجي دائم، وكان المغرب، ولا يزال، الهدف الأوفر توظيفا في هذه المعادلة.
ولم يتورع العسكر الجزائري، في سبيل هذا العداء، عن تلويث كل المجالات: السياسة، الإعلام، الدبلوماسية، الرياضة، وحتى العمل الإنساني. فملف مخيمات تندوف، الذي يفترض أن يكون شأنا إنسانيا محضا، جرى تحويله، وفق تقارير إعلامية وحقوقية دولية متواترة، إلى منطقة معتمة لنهب المساعدات الدولية خارج أي رقابة فعلية.
وقد تفجرت، بين الحين والآخر، فضائح وشهادات صادمة، من بينها ما عرف إعلاميا بملف ابتسام حملاوي، الذي سلط الضوء على منظومة فساد ممنهجة لا تستفيد منها الساكنة المحتجزة، بل شبكات مرتبطة بالأجهزة العسكرية والأمنية، في واحدة من أبشع صور استغلال المأساة الإنسانية.
والأخطر من ذلك أن هذا النظام، وهو يغرق في أزماته الداخلية، لا يتردد في تصدير قبحه إلى الخارج. فالدعاية العسكرية الجزائرية تعلن، بلا مواربة، أنها تستهدف سمعة المغرب في كل صغيرة وكبيرة، وتذهب أحيانا إلى حد رفض نطق أسماء الملاعب المغربية المرتبطة بالتسميات الرسمية للأسرة الملكية، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه وقاحة سياسية متعمدة، تعكس مستوى غير مسبوق من الحقد والخبث المؤسسي. هذا ليس خلافا سياسيا طبيعيا، بل عداء مرضي يكشف عجزا عن الاعتراف برمزية الدولة المغربية وسيادتها.
اليوم، لم يعد هذا النظام قادرا على إخفاء تصدعاته الداخلية المتسارعة. فمؤشرات الغضب الاجتماعي بدأت تطفو على السطح: إضرابات في قطاع النقل، احتجاجات مهنية، تآكل القدرة الشرائية، انسداد سياسي خانق، وشباب فقد الثقة في خطاب العسكر وشعاراته الجوفاء.
وهي مؤشرات تدل على أن الشرعية القسرية بلغت حدودها القصوى. وحين تعجز الأنظمة عن إقناع شعوبها، تلجأ إلى القمع والدعاية والعداء الخارجي، غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأنظمة العسكرية التي تعيش على الكراهية لا تطيل البقاء، لأنها تنهار من الداخل قبل أن يسقطها الخارج.
وعليه، فإن قرار الكفالة الأمريكية، حتى وإن تأسس رسميا على معايير تقنية، يعكس في عمقه تقييما سياسيا لمستوى الثقة في النظام الحاكم، وفي قدرته على التعاون المؤسساتي واحترام قواعد اللعبة الدولية. وهو ما يفسر استثناء دول اختارت، بدرجات متفاوتة، منطق الدولة والمؤسسات، بدل منطق العسكرة والدعاية العدائية.
إن جوهر المسألة، في النهاية، لا يكمن في حادثة ملعب ولا في كفالة مالية، بل في أزمة نظام عسكري فقد البوصلة، ويجر شعبا كاملا إلى معارك وهمية، بينما يظل المغرب، بثبات مؤسساته ووضوح خياراته، أكبر من هذه الاستفزازات، وأعمق من هذه الحملات، وأقوى من أن تنال منه دعاية بائسة أو ممارسات رخيصة.
كاتب وأكاديمي مغربي



