عبد الرزاق مختار عبد القادر *
الثلاثاء 13 يناير 2026 - 18:40

شهـادة على مسار الدولـة الليبية

سلسلة مذكرات سياسية - 1/2 

ما يرد في هذه الصفحات لا يهدف إلى تقديم سردٍ تفصيلي شامل لكل ما جرى في ليبيا، ولا يدّعي الإحاطة بجميع الوقائع، بل هو عرض مختصر وشهادة سياسية كما عايشتها من داخل مواقع المسؤولية، وخلال مرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخ الدولة الليبية وقبل ذلك من واقع انشغالي بالعمل السياسي بصفتي معارضاً لنظام القذافي إذ كنت قد غادرت ليبيا بعد أن بدأ النظام في تضييق الخناق وقام بإلغاء التجارة فخرجت الى المملكة المتحدة ومن هناك شققت طريقي كرجل اعمال ثم ما لبثت حتى التحقت بالجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي كانت اكبر تنظيم سياسي معلن لمعارضة نظام حكم القذافي.

اخترت هذا الاختصار عن قصد، لأن التفاصيل الكاملة تحتاج إلى مساحة أوسع، ولأن بعض المسارات السياسية والقانونية ما زالت مفتوحة ولم تُستكمل بعد. غير أن الاستمرار في الصمت لم يعد مقبولًا، لا أخلاقياً ولا وطنياً.

هذه الشهادة ليست دفاعًا عن أشخاص، ولا إدانة جماعية، ولا تصفية حسابات سياسية، بل محاولة لوضع الوقائع في سياقها الصحيح، وقراءة المسار العام بما له وما عليه، وهي موجّهة إلى القارئ الليبي أولاً، وإلى كل من يعنيه فهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، بعيداً عن الشعارات والروايات المجتزأة.

وفي هذا الإطار، يبقى من الواجب الوطني والأخلاقي أن يتحمّل جميع المتصدّرين للمشهد السياسي اليوم مسؤولياتهم التاريخية، وأن يدركوا أن المرحلة لم تعد تحتمل مزيداً من الدوران.

إن إنقاذ الدولة يتطلب توافقاً حقيقياً على خارطة طريق واحدة، واضحة ومحددة بزمن، تؤدي إلى تسليم منظم للسلطة، وانتخابات حرة تُفرز قيادات جديدة ببرامج واضحة، ودستور يحدد شكل الحكم وصلاحياته، ويضع حداً للفوضى والانقسام، كما يتطلب بناء مؤسسات حقيقية، ومنظومة قانونية جديدة تُصاغ بأيدي خبراء قانون وطنيين، مع الاستفادة من تجارب الدول التي مرّت بظروف انتقالية مشابهة ونجحت في العبور نحو الاستقرار.

ومن هنا، لا بد من العودة إلى الجذور.

قبل انقلاب سبتمبر 1969، لم تكن ليبيا دولة مكتملة، لكنها كانت دولة في طور البناء، تسير وفق مسار مؤسسي واضح.
كانت هناك حكومات تعمل، وإدارة عامة قائمة على القوانين، وتعليم وصحة وخدمات عامة في مسار تصاعدي. المواصلات العامة تعمل وفق جداول منتظمة، البريد يصل إلى عناوين المواطنين، النظافة العامة جزء من العمل البلدي، والصناعات الغذائية المحلية تلبّي احتياجات السوق بجودة عالية. الأهم من ذلك، أن فكرة الدولة كانت حاضرة، وأن القانون كان مرجعية، وأن البناء كان تراكمياً لا ارتجالياً.

جاء انقلاب سبتمبر رافعاً شعارات قومية وجدت صدى لدى كثير من الشباب، خاصة في سنواته الأولى، حيث التزم النظام الجديد ببعض ما أعلنه واستفاد من الحماس العام والمدّ القومي في تلك المرحلة. غير أن التحول الجذري بدأ بعد خطاب زوارة، حين لم تعد الشعارات وسيلة للتغيير، بل أداة للهيمنة. أُلغي الدستور، هُمّش القانون، وأُفرغت المؤسسات من مضمونها، ليحل محلها حكم الفرد تحت مسميات متعددة. ومنذ تلك اللحظة دخلت ليبيا مسار تراجع طويل، بطيئًا وعميقًا، أدّى إلى تفكيك الدولة وتغييب مؤسساتها.

في فبراير 2011، بلغ هذا المسار ذروته. خرج الليبيون في مختلف المدن، شرقاً وغرباً وجنوباً، في لحظة نادرة من الإجماع الوطني، أملاً في إنهاء الاستبداد وحكم العائلة وبناء دولة القانون. لم تكن ثورة فبراير حراك نخبة أو تيار سياسي، بل انتفاضة شعب أنهكه القمع وغياب الدولة. تقدّم الشباب الصفوف، ودُفعت تضحيات جسيمة، وسقط شهداء حملوا حلم ليبيا الجديدة دون حسابات جهوية أو أيديولوجية وهاهنا نستنزل أشابيب الرحمة والرضوان على تلك الارواح الزكية التي لم تدخر جهدا ولاضنت بنفيس في سبيل وطن أحبته فاخلصت له وأي شيء هو أنفس وأعز من الروح وقد بذلوها حبا وكرامة لبلادهم وشعبهم ابتغاء ماعند الله وطمعا في جنته وقد بلغوا ما أرادوا بتقويض دولة الظلم ونظامها غير أن إسقاط النظام كان أسهل بكثير من بناء الدولة.

واسترسالا في الحديث نقول:

تشكّل المجلس الوطني الانتقالي في ظروف استثنائية، وبعدد محدود من الأعضاء لم يتجاوز الخمسين عضوًا حتى لحظة التحرير؛ وهنا ينبغي لنا الوقوف قليلا أمام المبادرة التاريخية لأولئك الرجال الذين تشكل منهم المجلس الوطني الانتقالي رئيسا وأعضاء فقد تحملوا المسؤولية وتصدروا المشهد وهم لايعلمون ماذا يحمل لهم الغد فلا أحد كان بإمكانه التكهن بمصير الثورة التي لو لم يقدر الله لها النجاح لكان مصير أولئك الرجال الذين تشكل منهم المجلس محتوما في ظل قمع القذافي وجبروته فالعذاب والموت كان في انتظارهم وانتظار أهاليهم وذويهم ولكن الله سلم وعلينا جميعا أن نحفظ لهم سبقهم ولانغمطهم حقهم أخطأوا بعد ذلك أم أصابوا وقد تحمّل المجلس مسؤوليات جسيمة في ظل غياب مؤسسات الدولة وتفكك الأجهزة الإدارية. اجتهد أعضاؤه، فأصابوا في بعض القرارات وأخطأوا في أخرى، غير أن الإشكالية الكبرى لم تكن في النوايا، بل في إدارة المرحلة الانتقالية، حيث لم يتم الاستعانة بالقدر الكافي من الخبرات القانونية الوطنية القادرة على تأطير المرحلة ووضع ضوابط واضحة لها.

بعد التحرير، برز السؤال المصيري: كيف تُدار المرحلة التالية؟ طُرحت رؤية يُمثلها في ذلك الوقت -وهذا للأمانةِ والتاريخ- السيد عبدالله الموهوب عضو المجلس الانتقالي رحمه الله والسيد عاشور أبو راشد عضو المجلس الانتقالي رحمه الله والسيد عضو المجلس الانتقالي عثمان المقيرحي رحمه الله، وأس هذه الرؤية هو عدم تسليم السلطة إلا بعد الاتفاق على دستور دائم، وتحديد شكل نظام الحكم، وانتخاب رئيس للدولة.

وأثبتت الأيام حسب وجهة نظري أن هذه الرؤية كانت حكيمة وجديرة بالامتثال لها ولكن تمت مواجهتها خلال مناقشات أعضاء المجلس بالاعتراض لأسباب لعلها بدأت تتضح شيئاً فشيئاً.

وكانت الحجة في رفض هذا الطرح أن المجلس لم يُنتخب من الشعب، وأن الشرعية يجب أن تعود سريعاً إلى صناديق الاقتراع. وهكذا تم التنازل عن السلطة دون تحصين دستوري، ودخلت البلاد مرحلة اتسمت بالهشاشة السياسية وسهولة الانحراف ومادمنا بصدد الحديث عن الطقس العام الذي كان سائدا داخل المجلس فإنه جدير بنا الاشارة الى شخصية نكن لها الاحترام ونشهد بمواقفها الوطنية والمكانة الرفيعة التي كانت تحظى بها على مستوى الوطن وخارجه وأعني هنا السيد محمود جبريل الذي ترأس المجلس التنفيذي وكانت له كثير من الافكار والرؤى التي لم يجد داخل المجلس دعما لها وبذلك فقد المجلس ماكان يمكن أن يصبح إضافة له.

ثم جاء الخطأ الأخطر: ملف السلاح. بدلاً من نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين في مؤسسات الدولة، تم توزيع منح مالية دون ربطها بتسليم السلاح. فتحولت الكتائب من تشكيلات مؤقتة إلى قوى أمر واقع، وأصبح لكل منطقة سلاحها ونفوذها، وتراجع القانون لصالح القوة.

ومن المحطات المهمة التي أثرت في مسيرة الثورة المجيدة وكانت لها ردود سلبية على مدىً طويل قتل السفير الأمريكي في ظروف كانت شديدة الحساسية ومرحلة كانت فيها الولايات المتحدة الامريكية حليفاً مهماً وداعما لثورة 17فبراير وكانت عملية قتل السفير الأمريكي نقطة تحول -حسب رأيي- في موقف واشنطن من الليبيين- ولا احد في هذه الدنيا ينسى الإساءة اليه والغدر به ،ومن المحطات المهمة الأخرى في مسيرة الثورة قتل اللواء عبد الفتاح يونس وذلك امرٌ وضع المجلس الانتقالي أمام تحدٍ عظيم وامتحان عسير لم يظهر فيه المجلس بالحكيم الحاسم الذي يحسن تدبير الأمور ووضعها في نصابها ،وفي رأيي كان اقل ما يمكن أن يفعله هو جمع السلاح من الكتائب والإعلان عن الجناة الذين قاموا بالاغتيال، ومن الأمور المؤثرة في هذا الصدد تسليم بعض المتهمين الي الولايات المتحدة الأمريكية واغتيال بعض الناشطين السياسيين والإعلاميين حيث أصبحت ليبيا مرتعاً للمخابرات الأجنبية ، إضافةً الي خطوة هي الأنكأ والأشد تمثلت في إطلاق السجناء الذين زاد عددهم عن 16ألف متهمين بجرائم مختلفة جلّها جنائية.

وفي مرحلة متقدمة من مسيرة الثورة ، تحمّلت مسؤوليات رسمية، منها تمثيل ليبيا كسفير لدى الجمهورية التركية. ومن هذا الموقع، كنت شاهداً مباشراً على حجم الفرص المتاحة لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار، وعلى حجم التردّد الداخلي وغياب القرار الموحد. في عام 2013، تم التوصل إلى تفاهمات لاستئناف مشاريع استراتيجية تُقدّر بمليارات الدنانير، تشمل البنية التحتية والطرق والكهرباء والمرافق العامة. غير أن التراجع عن الالتزامات المالية المتفق عليها أدّى إلى انهيار الثقة، وتعطّل المشاريع، وخسارة الدولة فرصاً تنموية حقيقية.

ثم جاء قانون العزل السياسي، ليقصي كفاءات وطنية دون تمييز بين من تورّط في الفساد ومن خدم الدولة بكفاءة. فكان الإقصاء بدل الإصلاح، والفراغ بدل البناء، وتعميق الانقسام داخل مؤسسات الدولة.

*سفير ليبيا السابق لدى تركيا

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة

مَن يُقنع الجزائريين..؟!

خرج المنتخب الجزائري من دور ربع نهائي كأس أمم إفريقيا (2025) المُقامة في المغرب، بعد هزيمة مُستحقة من المنتخب النيجيري بهدفين لصفر مع سيطرة شبه كاملة لـ"نسور نيجيريا" على المباراة ...

استطلاع رأي

من هو أفضل جمهور لمنتخبات دول شمال إفريقيا في "كان المغرب"؟

Loading...