وصايا شمس الدين
يوم زار الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى لندن في العام 1995 لمقابلة الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، أقام له صديقه الحميم السيد محمد بحر العلوم رئيس مركز آل البيت الإسلامي، لقاءً مصغّرًا حضره عددًا من الشخصيات، عرض خلاله الأوضاع الصعبة التي يعيشها لبنان، وخصوصًا الجنوب المبتلى، ولعلّ الاقدار الغاشمة جعلته إلى اليوم يعيش ظروفًا أشدّ قسوةً.
خلال حديثه البالغ الثراء طرح شمس الدين فكرة استعادة الدولة في لبنان، ولاسيّما بتشديده على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، طبقًا للقرار 425 الصادر في العام 1978، دون أن ينسى حق المقاومة المشروع في الدفاع عن الأرض والمقدّسات، وصولًا لبلوغ هدف التحرير، وهو الامر الذي ما يزال النقاش حوله دائرًا إلى يومنا الحالي.
وما لفت انتباهي في حديث شمس الدين هو ما سمعته منه عن فكرة المقاومة المدنية الشاملة كاستراتيجية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهي فكرة سبق له أن روّج لها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومحاصرة العاصمة بيروت في العام 1982، وقد ردّد أكثر من مرّة هذه الفكرة لوضعها في سياقها الوطني الجامع.
وعن دور الشيعة، كان رأيه، الذي عاد وبلوره على نحو واضح قبل رحيله بكتيّب صدر عن دار النهار، قدّم له الصحافي والدبلوماسي الكبير غسان تويني، ومثّل رؤية استشرافية لإشكالية المواطنة والتمييز، ضرورة اندماجهم في مجتمعاتهم، مؤكدًا أن هويّة شيعة لبنان ينبغي أن تكون لبنانية، وكذلك هويّة شيعة العراق عراقية، وكذا الحال شيعة البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت وغيرها.
لقد استبعد شمس الدين فكرة مشروع خاص للشيعة، سواء كان سياسيًا أم أمنيًا أم عسكريًا، مشددًا عليهم التماهي مع الدولة، وحين تتحقّق الدولة العادلة يكون الشيعة أسوةً بغيرهم قد أخذوا حقوقهم في المواطنة وعدم التمييز.
هكذا يمكن أن نقرأ مشروع شمس الدين، مثلما كان "دولة الإنسان" هو مشروع السيد محمد حسين فضل الله، بدلًا من "دولة الإسلام"، ولعلّ مثل هذا التطوّر الفقهي، سواء في مشروع شمس الدين أو في مشروع فضل الله، إنما يقوم على الإيمان بالدولة وقوانينها وآليات عملها العصرية وتطورها، وهي دولة مدنية أي لا دينية، وإن كانت بمرجعية إسلامية.
تقوم فكرة شمس الدين الجوهرية على الدولة وقد اشتغل عليها كاستراتيجية فكرية وحركية وعملانية لأنه أدرك وعلى نحو شديد العمق أن التمترسات الطائفية ستكون خطرًا على الشيعة قبل غيرهم ويمكن أن تستثمر من جانب قوى إقليمية ودولية، لاسيّما بخروجها عن الإجماع الوطني الذي سيلحق الضرر بالجميع.
لقد توصّل شمس الدين إلى هذا الاستنتاج المهم عبر قراءة دقيقة للوضع الإقليمي، ولاسيّما مساعي إيران بعد ثورتها في العام 1979 الاستحواذ على قرار الشيعة بما تملكه من إمكانات بشرية ومادية ومعنوية.
وإذا كان تحرير الجنوب في العام 2000 لحظة تاريخية فارقة، فإن شمس الدين أراد استثمارها في الاتجاه الصحيح والبناء عليها بالدعوة إلى المزيد من التمسّك بالدولة على أساس اتفاق الطائف العام 1989 والاندماج والشراكة والمشاركة، بدلًا من الانعزال والانغلاق بحجة التمايز والمظلومية، وتلك كانت رسالته إلى شيعة العالم.
عقب انتهاء دعوة السيد بحر العلوم وحين هممنا بالمغادرة فاجأني شمس الدين وباقتراب السيد بحر العلوم بالسؤال: أين تضع الشيعة في الصراع الراهن؟
قلت باختصار وبما يسمح به المقام: كلّما تمكّنت مجتمعاتنا من إقامة دولة القانون وعلى أساس المواطنة الكاملة والمتساوية وكفالة احترام الحريّات العامة والخاصة، وفي إطار مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وهي جميعها أركان للمواطنة، فإن الطائفية ستفقد تأثيرها بالتدرّج، وأشرت إلى الفرق بين الانتماء إلى طائفة، وهي تكوين تاريخي واجتماعي واجتهادات فقهية، وبين الطائفية التي اختلطت فيها عادات وتقاليد وطقوس وشعائر بعيدة عن الدين أحيانًا بل مثّلت قشوره وعمّقت الشرخ والتباعد مع الطوائف الأخرى في الدين الواحد، سواء ادّعت المظلومية أو زعمها بالأفضليات وامتلاكها للحقيقة.
لقد تابعت تطوّر مدرسة النجف وحوزتها الفقهية منذ خمسينيات القرن المنصرم، وأستطيع القول إن أهم المجددين على صعيد المنهج والرؤية والدراسة والتطوّر هو الشيخ محمد رضا المظفر وتلامذته النجباء: السيد محمد بحر العلوم والشاعر مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد باقر الصدر، وخلال الفترة ذاتها برز السيد موسى الصدر المختفي قسريًا في ليبيا منذ العام 1978 والذي أسس "حركة المحرومين" في لبنان وكأنه امتداد لمدرسة الانفتاح والتجديد لما امتاز به من مواصفات شخصية ورؤية مستقبلية ومرونة عالية، لاسيما بتفاعله مع محيطه اللبناني والعربي بتياراته المختلفة.
لعلّ خير وفاء للشيخ محمد مهدي شمس الدين بعد مرور ربع قرن على رحيله (10 كانون الثاني / يناير 2001) هو استذكار وصاياه، ولاسيما درس المواطنة والمساواة وعدم التمييز في إطار دولة العدل التي أرادها بمنظوره المستقبلي.



