فتيحة الطالبي
الأثنين 19 يناير 2026 - 20:09

المسؤولية التأديبية والأخلاقية في كرة القدم الإفريقية

قراءة قانونية في سلوك مدرب المنتخب السنغالي، شغب الجماهير، وحدود الردع التأديبي وفق لوائح FIFA وCAF

إن ما شهدته إحدى المنافسات القارية المنظمة بالمملكة المغربية لا يمكن تكييفه في إطار الخطأ التحكيمي أو التوتر الرياضي العابر، بل يرقى إلى سلوك تحريضي وغير أخلاقي صدر عن مدرب المنتخب السنغالي، وأسهم بشكل مباشر في خلق مناخ عدائي، انتهى بأعمال شغب خطيرة من طرف الجماهير، مسّت أمن التظاهرة، وسلامة الأشخاص، وكرامة البلد المضيف، وصورة كرة القدم الإفريقية على الصعيد الدولي.

لقد توج هذا السلوك بانسحاب غير مسؤول، وأحداث تخريب داخل الملعب و خارجه، واعتداءات على رجال الأمن، أسفرت عن إصابة أحد عناصر الأمن ونقله عبر سيارة إسعاف لتلقي العلاج. وهي وقائع ثابتة لا يمكن فصلها قانونا عن الدور التحريضي للشخصية التقنية الأولى في المنتخب، وما يترتب عن ذلك من مسؤولية تأديبية مشددة.

أولا: المسؤولية التأديبية والأخلاقية للمدرب وفق لوائح FIFA

يخضع المدربون، بصفتهم فاعلين أساسيين في المنظومة الكروية، لالتزامات أخلاقية وقانونية مضاعفة، وهو ما تؤكده مدونة أخلاقيات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، ولا سيما:

المادة 11 التي تلزم باحترام النزاهة والروح الرياضية.

المادة 13 التي تحظر التحريض على العنف أو الفوضى أو أي سلوك يمس باحترام الآخرين.

المادة 15 التي تجرم كل تصرف يسيء إلى سمعة كرة القدم أو يعرضها للتقليل والانتقاد الدولي.

كما تنص المادة 12 من لوائح الانضباط للفيفا على معاقبة كل شخص يتصرف بسلوك غير رياضي أو يحتج بطريقة غير منضبطة، خاصة إذا كان من الأشخاص ذوي التأثير المباشر على سير المنافسات، ومنهم المدربون.

وبناء عليه، فإن السلوك الصادر عن مدرب المنتخب السنغالي يشكل خرقا جسيما لهذه المقتضيات، وتستخلص مسؤوليته التأديبية ليس فقط من فعله المباشر، بل من النتائج الخطيرة التي ترتبت عنه.

ثانيا: مسؤولية الجماهير والمنتخب وفق لوائح CAF

يكرّس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم مبدأ المسؤولية الموضوعية للمنتخبات عن تصرفات جماهيرها، وهو مبدأ مستقر في فقه الانضباط الرياضي.

وتنص لوائح الانضباط للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) على:

المادة 82 التي تحمل الاتحادات والمنتخبات مسؤولية أعمال الشغب، التخريب، والاعتداءات داخل أو محيط الملاعب.

المادة 83 التي تخول للجنة الانضباط توقيع عقوبات تتراوح بين الغرامات المالية الثقيلة، اللعب دون جمهور، منع الجماهير من التنقل، أو الإقصاء من المنافسة في الحالات الجسيمة.

إن تخريب الملعب، والاعتداء على رجال الأمن، وإصابة أحدهم إصابة استوجبت نقله إلى المستشفى، تشكل أفعالًا بالغة الخطورة تستوجب تشديد العقوبة دون تردد.

ثالثًا: العقوبات الواجبة التطبيق قانونا

1. العقوبات في حق مدرب المنتخب السنغالي

استنادا إلى لوائح FIFA ومدونة أخلاقياته، فإن العقوبات المتناسبة مع خطورة الأفعال تتمثل في:

الإيقاف لعدة مباريات رسمية قارية،

غرامة مالية مشددة،

مع إمكانية المنع المؤقت من ممارسة أي نشاط كروي أو التواجد داخل الملاعب، إذا ثبت أن السلوك ألحق ضررا جسيما بسمعة اللعبة وأمن المنافسة.

ويجد هذا التشديد سنده في مبدأ التناسب بين الخطأ والنتيجة، وفي كون المدرب مسؤولا عن التهدئة والانضباط لا عن التحريض والتصعيد.

2. العقوبات في حق المنتخب السنغالي بسبب سلوك جماهيره

طبقًا للمادتين 82 و83 من لوائح الانضباط للـCAF، فإن العقوبات الواجبة تشمل:

فرض غرامة مالية كبيرة على الاتحاد السنغالي،

منع الجماهير من حضور عدد من المباريات أو من التنقل،

تحميل الاتحاد المسؤولية عن الأضرار المادية والجسدية الناتجة عن أعمال الشغب،

مع إمكانية اللجوء إلى عقوبات رياضية أشد في حال ثبوت الطابع الجسيم أو التكرار.

رابعا: السوابق التأديبية في اجتهادات FIFA وCAF

إن المطالبة بعقوبات صارمة لا تستند فقط إلى النصوص، بل تجد دعمها في سوابق تأديبية مستقرة:

أقرت لجان الانضباط التابعة للفيفا في عدة قرارات مبدأ معاقبة المدربين بسبب الاحتجاجات غير المنضبطة أو التصريحات والسلوكيات التحريضية، مع الإيقاف والغرامة، استنادا إلى المادتين 12 و15 من لوائح الانضباط ومدونة الأخلاقيات.

كرّست الفيفا مبدأ أن الاعتذار اللاحق لا يسقط المسؤولية التأديبية إذا كانت الأفعال قد مست بسلامة الأشخاص أو بسمعة المنافسات.

من جهته، اعتمد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عقوبات قاسية ضد منتخبات بسبب شغب جماهيرها، شملت الغرامات الثقيلة، اللعب دون جمهور، ومنع التنقل، بل والإقصاء في حالات جسيمة، حماية لأمن المنافسات واحتراما للدول المضيفة.

وتؤكد هذه السوابق أن الاتساق في تطبيق العقوبة شرط أساسي لمصداقية العدالة الرياضية.

خامسا: عدم كفاية الاعتذار المقدم

الاعتذار الذي وجه لاحقا من طرف مدرب السينغال والذي وجه بشكل عام إلى "محبي كرة القدم" يظل قاصرًا قانونيا وأخلاقيا، لكونه لم يتوجه صراحة إلى:

المنتخب المغربي، ولا إلى المملكة المغربية بصفتها البلد المضيف الذي تعرض للإساءة تنظيما وأمنا وصورة.

ففي الأعراف الرياضية، لا يعتد بالاعتذار إلا إذا كان محدد الجهة، مقرونا بالاعتراف بالخطأ، ومتناسقا مع جسامة الفعل.

إن فرض عقوبات صارمة في هذه القضية ليس موقفا انفعاليا ولا اصطفافا رياضيا، بل واجب قانوني وأخلاقي تفرضه لوائح FIFA وCAF، حماية لنزاهة المنافسات، وضمانا لأمن التظاهرات الرياضية، وصونا لكرامة الدول المضيفة.

إن أي تساهل في هذا الملف من شأنه الإضرار بمصداقية كرة القدم الإفريقية، وتقويض الجهود المبذولة للارتقاء بها دوليًا، وإرسال رسالة خاطئة مفادها أن التحريض والعنف يمكن المرور عليهما دون محاسبة حقيقية

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة

كُلفة النجاح!

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تُلعب داخل المستطيل الأخضر وتنتهي مبارياتها بصافرة الحكم. كرة القدم، اليوم، هي جزء من اقتصاد يُدرّ ملايير الدولارات في العديد من الدول، ومنظومة معقدة ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...