هل تحول الخطاب الحقوقي الحزبي في إسبانيا إلى أداة لتسييس نزاع الصحراء المغربية؟
لم تعد قضايا حقوق الإنسان، في السياقات الدولية المعاصرة، شأنا أخلاقيا صرفا أو مجالا تقنيا محايدا، بل أضحت، في كثير من الحالات، لغة سياسية بديلة تستعمل لإعادة تشكيل النزاعات السيادية خارج أطرها التقليدية. وفي هذا السياق، يندرج الجدل الذي أثارته بعض المنظمات والوسائط الإعلامية الأوروبية، خاصة في إسبانيا، عقب منع وفود أجنبية من دخول الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية. فهذا الجدل لا يعكس فقط اختلافا في التقدير الحقوقي، بل يكشف عن صراع أعمق حول من يملك حق تعريف الواقع، ومن يحدد حدود السيادة باسم القيم الكونية. ومن هنا تطرح واقعة المنع نفسها لا كحدث إداري معزول، بل كمدخل لفهم تحولات الخطاب الحقوقي حين يتقاطع مع نزاع سيادي مفتوح.
أولا، السيادة وتنظيم المجال الترابي: قراءة قانونية في قرار المنع:
يطرح منع بعض الوفود الأجنبية من دخول الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية في الخطاب الإعلامي والحقوقي الأوروبي، وخاصة في إسبانيا، بوصفه واقعة معزولة يراد لها أن تؤدي وظيفة إدانة أخلاقية وسياسية للدولة المغربية. غير أن القراءة المتأنية لهذا المنع، في ضوء قواعد القانون الدولي العام وممارسات الدول، تكشف أنه لا يشكل خروجا عن المشروعية، ولا استثناء سلبيا، بل يندرج ضمن ممارسة سيادية عادية تلجأ إليها الدول حين يتعلق الأمر بحماية نظامها العام وصون نزاعاتها السيادية من محاولات التوظيف الخارجي. فمبدأ السيادة، كما استقر في ميثاق الأمم المتحدة وفي فقه العلاقات الدولية، لا يقتصر على الدفاع العسكري عن الإقليم، بل يشمل الحق الحصري للدولة في تنظيم الولوج إلى ترابها، وتحديد شروط الدخول والتنقل، وتقدير طبيعة الأنشطة التي يمكن أن تمارسها جهات أجنبية داخل المجال الوطني.
ولا يوجد في القانون الدولي أي نص يلزم الدول بفتح أراضيها أمام وفود غير رسمية، حتى وإن وصفت نفسها بكونها حقوقية. فصفة المراقب الحقوقي لا تشكل وضعا قانونيا دوليا قائما بذاته، ولا تمنح أصحابها امتيازا يتجاوز القوانين الوطنية أو يعلو عليها. وحدها الآليات الأممية أو التعاقدية، التي تشتغل بتفويض صريح وفي إطار اتفاق مسبق مع الدولة المعنية، يمكن أن تستند إلى شرعية دولية محددة ومعترف بها. أما الوفود التي تتحرك بمبادرات أحادية، ودون تنسيق رسمي، ودون صفة أممية أو تفويض دولي، فإنها تظل خاضعة بالكامل لتقدير السلطات الوطنية، تماما كما هو معمول به في مختلف الدول، بما فيها تلك التي تقدم نفسها كنماذج مكتملة للديمقراطية وحماية الحقوق.
ويزداد هذا المعطى وضوحا حين نميز بين نوعين من الفاعلين الذين يجري الخلط بينهم عمدا في الخطاب المنتقد للمغرب. فمن جهة، هناك الآليات الدولية الرسمية، مثل المقررين الخاصين للأمم المتحدة أو آليات الاستعراض الدوري الشامل، وهي آليات يتعاون معها المغرب بشكل منتظم، ويستقبلها وفق مساطر متفق عليها، ويقدم لها المعطيات والتوضيحات المطلوبة، وهو ما تؤكده تقارير أممية منشورة ومعتمدة. ومن جهة أخرى، هناك وفود حزبية أو شبه حزبية، تتكون من منتخبين أو نشطاء ينتمون إلى تنظيمات سياسية معروفة بمواقفها المسبقة من نزاع الصحراء، ولا تحمل أي تفويض دولي، ولا تشتغل ضمن إطار قانوني ملزم. وضع هذين الصنفين في مرتبة واحدة، وتقديم منع الصنف الثاني بوصفه اعتداء على الرقابة الدولية، لا يستقيم قانونيا ولا منهجيا، ويمثل خلطا متعمدا بين الشرعية الأممية والعمل السياسي المقنع.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن عددا من الوفود التي أثارت الجدل في الإعلام الإسباني ترتبط تنظيميا أو سياسيا بحزب بوديموس، وهو حزب يتبنى موقفا سياسيا صريحا داعما لأطروحة تقرير المصير في الصحراءالمغربية، ويصطف بشكل معلن مع سردية جبهة البوليساريو. هذا الانتماء الحزبي ليس تفصيلا ثانويا يمكن تجاوزه، بل عنصر بنيوي يغير طبيعة الفعل برمته. فالفاعل الذي يحمل موقفا سياسيا مسبقا من نزاع سيادي لا يمكنه، من منظور قانوني أو أخلاقي، الادعاء بأنه مراقب محايد. في هذه الحالة، ينتفي شرط الاستقلال، ويتحقق تضارب واضح في المصالح، يجعل من الزيارة المقترحة فعلا سياسيا بغطاء حقوقي، لا مبادرة رقابية بريئة.
ويقوم القانون الدولي لحقوق الإنسان، في جوهره، على مبدأ الحياد وعدم التسييس، ويعتبر أن تداخل العمل الحقوقي مع الأجندات الحزبية أو الإيديولوجية يفرغه من مضمونه، ويحوله إلى أداة ضغط سياسي. ومن هذا المنطلق، فإن قرار السلطات المغربية لا يمكن فهمه بوصفه رفضا لمبدأ الرقابة أو انغلاقا أمام التقييم الدولي، بل باعتباره رفضا لتسييس الرقابة وتحويلها إلى وسيلة للتأثير في نزاع يخضع لمسار أممي محدد ومعروف. فالدولة ليست ملزمة بفتح مجالها الترابي أمام فاعلين يسعون، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إنتاج مادة سياسية أو إعلامية تخدم أطروحة طرف في نزاع سيادي قائم.
وتتأكد مشروعية هذا الموقف المغربي عند استحضار الممارسة المقارنة في العلاقات الدولية. فالدول التي تنتقد المغرب اليوم تمارس القيود نفسها، بل أشد، حين يتعلق الأمر بمناطق تعتبرها حساسة سياسيا أو أمنيا. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمنع بانتظام دخول وفود أجنبية إلى مناطق معينة داخل ترابها، وفرنسا وإسبانيا تفرضان مساطر ترخيص صارمة على الزيارات ذات الطابع السياسي أو الحقوقي داخل أقاليمها. ولا ينظر إلى هذه الممارسات في خطابها الداخلي أو الدولي بوصفها انتهاكات لحقوق الإنسان، بل باعتبارها تعبيرا طبيعيا عن السيادة. إخضاع المغرب لمعيار مختلف يعكس خللا في الاتساق القانوني، ويكشف الطابع السياسي للانتقاد أكثر مما يثبت وجاهته الحقوقية.
إن تحويل مسألة تنظيم الدخول إلى الأقاليم الجنوبية إلى قضية حقوقية معزولة عن سياقها السيادي، لا يخدم حماية حقوق الإنسان بقدر ما يخدم إعادة تدوير نزاع سياسي بلغة أخلاقية. وفي هذا المستوى، يصبح الدفاع عن الموقف المغربي دفاعا عن مبدأ قانوني عام، مفاده أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لتقويض السيادة، ولا إلى أداة تستعمل خارج إطار الشرعية الدولية المتفق عليها.
ثانا، في تفكيك الخطاب الحقوقي المسيس:
إن تفكيك الخطاب الحقوقي الذي رافق واقعة منع بعض الوفود الأجنبية من دخول الأقاليم الجنوبية يقتضي تجاوز مستوى النوايا المعلنة إلى تحليل آليات اشتغاله وسياقه السياسي. فالملاحظة الأساسية التي يفرضها تتبع بيانات المنظمات المعترضة وتغطية بعض الصحف الإسبانية هي أن الخطاب لم ينطلق من واقعة المنع بوصفها حدثا يستدعي التحليل الهادئ، بل جرى توظيف الحدث كحلقة جديدة داخل سردية جاهزة سابقة عليه. وهو ما يجعل من المنع مجرد ذريعة، لا موضوعا، ومن الحقوق لغة تعبئة سياسية لا أداة تحقيق أو تقص.
تتجلى هذه السردية في سرعة إصدار الأحكام، وفي توحيد القاموس المستعمل، حيث تتكرر مفاهيم مثل الاحتلال والعزلة والانتهاكات الجسيمة بنفس الصياغة تقريبا، وكأنها مقتطفة من بيان واحد يعاد تدويره. هذا النمط من الخطاب لا يشتغل بمنطق التحقق الميداني أو المقارنة المؤسساتية، بل بمنطق التشويه الإيديولوجي، حيث تكون النتيجة معروفة سلفا، ويبحث فقط عن واقعة تستعمل لتبريرها. في هذا السياق، لا يصبح الدخول إلى الأقاليم الجنوبية شرطا لإنتاج الحكم، لأن الحكم موجود مسبقا، والزيارة ليست سوى وسيلة لإضفاء مشروعية ظاهرية عليه.
ويزداد هذا المعطى وضوحا عند ربط هذه المنظمات بخلفياتها السياسية. فارتباط عدد منها بحزب بوديموس، أو بقوى يسارية راديكالية في إسبانيا، ليس مجرد تقاطع عرضي أو صدفة تنظيمية، بل يعكس انسجاما عميقا في الرؤية واللغة والأهداف. فهذه القوى تتبنى، منذ سنوات، موقفا سياسيا صريحا من نزاع الصحراء المغربية، وتعتبره امتدادا لمعركة أيديولوجية أوسع ضد مفهوم الدولة الوطنية وضد السيادة بوصفها إطارا ناظما للعلاقات الدولية. وبهذا المعنى، يصبح العمل الحقوقي جزءا من استراتيجية ضغط سياسي، لا مجالا مستقلا لتقييم الوقائع أو حماية الحقوق.
هذا التداخل بين الحقوقي والسياسي يفرز مفارقة لافتة: فالمنظمات التي ترفع شعار الحياد والاستقلال هي نفسها التي ترفض الاعتراف بالمؤسسات الوطنية المغربية لحقوق الإنسان، ليس بناء على تقييم موضوعي لأدائها أو لاختصاصاتها، بل لأن الاعتراف بها يفقد السردية الانفصالية أحد مرتكزاتها الأساسية. فوجود مؤسسات وطنية تشتغل في إطار القانون، وتتفاعل مع الشكايات، وتستقبل وفودا دولية رسمية، يقوض أطروحة المنطقة المغلقة و الفراغ الحقوقي. ومن هنا، يصبح إنكار هذه المؤسسات شرطا مسبقا لاستمرار الخطاب الاتهامي، لا نتيجة لتحقيق ميداني جدي.
ويتجلى الطابع المسيس لهذا الخطاب أيضا في ازدواجية المعايير التي يعتمدها. فالممارسات التي يتم إدانتها في المغرب يجري تبريرها أو إغفالها في سياقات أخرى. القيود المفروضة على دخول وفود أجنبية إلى مناطق حساسة داخل إسبانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة لا توصف بالانتهاك، ولا تستثمر سياسيا، لأنها لا تخدم سردية جاهزة ولا نزاعا سياديا قائما. أما في الحالة المغربية، فيجري تعليق القواعد القانونية نفسها، ويتم التعامل مع السيادة باعتبارها شبهة، لا مبدأ. هذه الازدواجية لا تضعف فقط صدقية الخطاب الحقوقي، بل تكشف أن جوهر الإشكال سياسي قبل أن يكون حقوقيا.
وفي هذا الإطار، يكتسي النقاش حول ولاية بعثة المينورسو دلالة خاصة. فالمطالبة بتوسيع ولايتها لتشمل مراقبة حقوق الإنسان تقدم في الخطاب الحقوقي وكأنها قاعدة أممية عامة، في حين أنها، في الواقع، استثناء خضع لتوازنات سياسية دقيقة في حالات محدودة. كما أن قرارات مجلس الأمن المتعاقبة لم تعتبر غياب هذه الولاية دليلا على انتهاك ممنهج، بل أكدت، في أكثر من مناسبة، على أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الوطنية المغربية في مجال حماية الحقوق. تجاهل هذا المعطى الأممي لا يمكن تفسيره إلا بالرغبة في الإبقاء على ملف حقوق الإنسان أداة ضغط مفتوحة، لا مسارا مؤسساتيا منضبطا.
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس انتقاده للمغرب في حد ذاته، فالنقد حين يكون مؤسسا جزء من العلاقات الدولية، بل محاولته نزع الطابع السياسي عن موقف هو في جوهره سياسي. فحين تتحول حقوق الإنسان إلى لغة بديلة للصراع السيادي، فإنها تفقد وظيفتها الأصلية، وتتحول إلى وسيلة لإعادة تدويل النزاع خارج قنواته الشرعية. ومن هنا، فإن موقف السلطات المغربية لا يمكن فهمه باعتباره رفضا للمساءلة أو انغلاقا أمام الرقابة، بل باعتباره سعيا إلى إعادة ضبط الحدود بين ما هو حقوقي مشروع، وما هو سياسي متخف في ثوب حقوقي.
وعلى ذلك، فإن تفكيك الخطاب الحقوقي المرتبط بهذه الوفود يكشف أن الإشكال لا يكمن في منع زيارة، بل في الصراع على تعريف من يملك حق التقييم ومن يحدد شروطه. فالمغرب، حين يتمسك بقواعد السيادة وبالتعاون مع الآليات الأممية المعترف بها، لا يدافع فقط عن وحدته الترابية، بل يدافع أيضا عن تصور معين للعلاقات الدولية، يقوم على احترام القانون، ورفض توظيف القيم الكونية في معارك حزبية أو نزاعات سيادية. وبهذا المعنى، يصبح المنع موقفا سياسيا عقلانيا، لا إجراء تقنيا معزولا، يعكس إدراكا دقيقا لطبيعة الصراع وأدواته المعاصرة.
كاتب وأكاديمي مغربي



