عبد الحكيم العياط 
الجمعة 23 يناير 2026 - 1:33

هل آن الأوان لمراجعة عقيدة المغرب الإفريقية بعيدا عن منطق الكرم السياسي؟

بأي حال من الأحوال، لا يمكن اعتبار هذا النقاش عنصري أو موجه ضد شعوب بعينها بقدر ما هو مساءلة سياسية هادئة لسياسات عمومية آن لها أن تُراجع بمنطق المصلحة الوطنية الصرفة. فبعد أحداث كأس إفريقيا للأمم 2025 وما رافقها من مظاهر عدائية تجاه المغرب ومواطنيه في بعض السياقات، برز إلى السطح سؤال جوهري: هل نجح الرهان المغربي داخل القارة الإفريقية في تحقيق التوازن بين التضامن والمصلحة، أم أن منطق الكرم غير المشروط أفرز نتائج عكسية؟

منذ مطلع الألفية الثالثة وتولي جلالة الملك محمد السادس العرش، اختار المغرب العودة القوية إلى عمقه الإفريقي عبر بوابة التعاون جنوب–جنوب، وهو خيار استراتيجي تُحسب له جرأته لكن الجرأة وحدها لا تكفي إن لم تُواكبها آليات تقييم صارمة. فقد ضخت المؤسسات المغربية العمومية والخاصة استثمارات ضخمة في القارة، حيث تشير تقارير صادرة عن منظمات دولية متخصصة في الاستثمار إلى أن المغرب يُعد اليوم من بين أوائل المستثمرين الأفارقة في إفريقيا الغربية، بحصة تقارب ثلث الاستثمارات الإفريقية البينية في بعض السنوات خصوصا في قطاعات البنوك، الاتصالات، الأسمدة والعقار. غير أن هذا التوسع، رغم رمزيته السياسية لم يكن دائما مقرون بتحليل دقيق لمستوى المخاطر، خاصة في دول تعاني من هشاشة مؤسساتية، عدم استقرار سياسي، أو ضعف في حماية الاستثمارات.

في السياق نفسه، يثير ملف المنح الجامعية إشكال بالغ الحساسية. فالمغرب يستقبل سنويا عشرات الآلاف من الطلبة الأفارقة، وتفيد معطيات رسمية بأن عدد الطلبة الأجانب، أغلبهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يفوق خمسين ألف طالب، يستفيد جزء مهم منهم من منح كاملة تشمل الدراسة والإقامة. ورغم البعد الإنساني والديبلوماسي لهذا التوجه، إلا أن غياب التتبع والتقييم جعل هذه السياسة تتحول في بعض الحالات إلى استثمار مقلوب، حيث تخرّجت نخب تلقت تكوينها داخل الجامعات المغربية، لكنها لم تُترجم ذلك إلى جسور تعاون أو دفاع عن المصالح المغربية داخل بلدانها، بل على العكس، ظهرت في لحظات التوتر كجزء من خطاب عدائي يستثمر ما راكمه من معرفة دقيقة بنقاط ضعف المغرب بدل الإسهام في بناء شراكات متوازنة.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن التصدير غير المعقلن لبعض المنتوجات المغربية نحو أسواق الجنوب يفرض اليوم نقاش وطني صريح. فالمغرب يصدّر جزء مهم من إنتاجه الفلاحي والغذائي نحو جنوب الصحراء في وقت تعاني فيه السوق الداخلية من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. وتؤكد بيانات صادرة عن مؤسسات رسمية أن صادرات بعض المواد الأساسية عرفت ارتفاع ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، تزامنا مع ضغط غير مسبوق على المستهلك المغربي. هذا الاختلال يطرح سؤال الأولويات: هل من المنطقي الاستمرار في منطق التوسع الخارجي على حساب التوازن الاجتماعي الداخلي؟

ولا يقل ملف تسهيل منح بطاقات الإقامة خطورة عن باقي الملفات. فسياسة الانفتاح غير المضبوط، حين لا تربط بحاجيات حقيقية للاقتصاد الوطني أو بضوابط واضحة، تتحول من أداة جذب إلى عنصر توتر اجتماعي وشعور بالإجحاف لدى المواطن المغربي. فالدول التي تحترم نفسها، مهما رفعت من شعارات التضامن، تربط الإقامة والاستقرار بمعايير دقيقة، وهو ما يجعل من الضروري الانتقال من منطق الاستثناء إلى منطق السياسة العمومية الواضحة.

المقلق في كل هذا، أن تراكم هذه الاختيارات غير المتوازنة ساهم في تشكيل رأي عام داخل بعض الدول الإفريقية ينظر إلى المغرب لا كقوة إقليمية وازنة، بل كطرف متسامح إلى حد التردد كريم إلى حد التفريط، وهو انطباع خطير في العلاقات الدولية حيث تبنى المكانة على وضوح المواقف وربط التعاون بالندية لا بالعاطفة.

إن مراجعة السياسة الإفريقية للمغرب اليوم ليست تراجع عن العمق الإفريقي ولا تنصل من الالتزامات التاريخية، بل هي انتقال ضروري من مرحلة الخطاب العاطفي إلى مرحلة العقلانية الاستراتيجية، حيث تُربط المنح بالنتائج، والاستثمارات بالجدوى، والتسهيلات بالضوابط، والتعاون بالاحترام المتبادل. فالمغرب، وهو يراكم نقاط قوة حقيقية داخل القارة، في حاجة إلى تصحيح المسار قبل أن تتحول حسن النية إلى عبء سياسي واقتصادي يصعب تحمله.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة

كُلفة النجاح!

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تُلعب داخل المستطيل الأخضر وتنتهي مبارياتها بصافرة الحكم. كرة القدم، اليوم، هي جزء من اقتصاد يُدرّ ملايير الدولارات في العديد من الدول، ومنظومة معقدة ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...