كُلفة النجاح!

 كُلفة النجاح!
الصحيفة - افتتاحية
الجمعة 23 يناير 2026 - 18:58

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تُلعب داخل المستطيل الأخضر وتنتهي مبارياتها بصافرة الحكم. كرة القدم، اليوم، هي جزء من اقتصاد يُدرّ ملايير الدولارات في العديد من الدول، ومنظومة معقدة من المصالح، والأرباح، والبنيات التحتية، والتسويق الرهيب لقدرة العديد من الدول على إظهار إمكانياتها تنظيميًا، أمنيًا، اقتصاديًا، سياحيًا، وانعكاس لنجاعة التدبير خارج الملاعب وداخلها.

بطولة كأس أمم إفريقيا التي جرت بالمغرب ما بين 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026، حققت وفق وزير الصناعة والتجارة أرباحًا مباشرة فاقت مليار دولار، وصُرفت من أجل هذه البطولة ما يقارب هذا الرقم، لكن الأثر الكبير للبطولة كان كبيرًا جدًّا، بالرغم من هول التضليل الإعلامي الذي رافقها.

ومع ذلك، يمكن الجزم أنه يصعب على أي دولة إفريقية بدون استثناء تنظيم بطولة إفريقية بهذه الجودة التي قدمها المغرب، من ملاعب، وفنادق، وإمكانيات نقل تلفزي، وتسويق تجاري لبطولة إفريقية كانت إلى حدود دورتها السابقة سنة 2023 بالكوت ديفوار تعاني من أبسط مقومات التنظيم.رقميًّا، حققت كأس الأمم الأفريقية 2025 في المغرب إيرادات إجمالية للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (CAF) بلغت حوالي 191.7 مليون دولار أمريكي، وصافي ربح متوقع يبلغ 113.8 مليون دولار أمريكي، بعد أن أعلن "الكاف" ارتفاع عائداته من هذه النسخة بنسبة تزيد عن 90% مقارنة بالبطولات السابقة.

ارتفاع هذه العائدات جاء بفعل ما قدمه المغرب من بنية تحتية مبهرة للملاعب، وإمكانيات هائلة للنقل التلفزي، وشبكة نقل دولي لخطوط الطيران ومطارات استوعبت توافد الجماهير من كل القارات، وهو ما جعل الإمكانيات المتوفرة تغري الرعاة، والقنوات التلفزيونية العالمية، وكبار الشخصيات لحضور هذه البطولة التي وصلت مداخيلها من بيع التذاكر الفاخرة من باقات الضيافة (VVIP) و(VIP) و"Rose Loge" و"Atlas Lounge" ككابينات خاصة ومشتركة مع خدمات رفيعة إلى 19 مليون دولار، وهو رقم لم يتحقق في أي بطولة لعدم توفر ملاعب القارة على بنيات تحتية تتيح بيع باقات الضيافة الفاخرة للجمهور، باستثناء بعض ملاعب جنوب إفريقيا.

الرعاية بدورها حققت للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (CAF) 126.2 مليون دولار، حيث وصل عدد الرعاة 23 عوض 17 خلال الدورة الماضية في الكوت ديفوار.حقوق البث التلفزيوني والإعلامي ارتفعت بدورها لتصل إلى حوالي 46.5 مليون دولار بنسبة نمو بلغت 21% قياسًا بآخر دورة بفعل توقيع شراكات قياسية مع جهات بث كبرى، حيث قامت أكثر من 150 قناة عالمية ببث مباريات كأس أمم إفريقيا بالمغرب، ساعد في ذلك بنية تحتية مغرية للبث والتسويق، سواء فيما يتعلق بالملاعب، والأجواء المحيطة بالبطولة، أو من خلال إمكانيات البث التي وفرتها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية من عربات بث مجهزة بآخر التكنولوجيا وكوادر بشرية سبق لها التعامل مع كبريات البطولات العالمية في النقل التلفزي من كأس العالم للأندية.

فيما يخص المؤشرات الاقتصادية التي ربحها المغرب من تنظيم هذه البطولة، فقد أكد وزير الصناعة والتجارة المغربي، رياض مزور أن تنظيم كأس أمم إفريقيا ضخ بشكل مباشر أزيد من مليار دولار في الاقتصاد المغربي، وخلق مئة ألف فرصة عمل، مع ارتفاع في مبيعات السيارات بأكثر من 35 بالمئة، فيما فاق الاستهلاك 25 بالمئة.

مع كل هذه الأرقام، يطرح السؤال: ماذا بقي من البطولة؟ رياضيًّا، خسرنا نهائي كأس أمم إفريقيا أمام منتخب كبير هو السنغال، وإن كان مدربه أرعن قام بما لا يمكن تجاوزه قانونيًّا وأخلاقيًّا، فإن كرة القدم هي هذه: فيها فائز وخاسر، وكان يمكننا التصفيق لمن فاز بكل روح رياضية لولا حجم الشك والريبة والتخوين والتضليل الذي استهدف البطولة والبلد المنظم، وما تعرض له المنتخب المغربي من تشويش في جميع مبارياته.

لا يمكن فهم تصريحات العديد من المدربين ولا إيماءات العديد من اللاعبين الأفارقة إلا بعقدة النقص في بنية وعي العديد من الأفارقة الذين يستصغرون قدرة دولة إفريقية في تنظيم بطولة من هذا الحجم، وفق معايير بطولات دولية مثل كأس العالم.لا نتصور أن مدرب المنتخب السنغالي، مثلاً، بابي ثياو يمكنه أن يطلب من لاعبي منتخب بلاده الانسحاب من الملعب في بطولة كأس العالم وإن اختلف حول القرارات التحكيمية؟

لا يمكن تصور ذلك، ولا يمكن توقعه، لكن في بطولة تنظم في إفريقيا، يمكن تعريض بلد منظم لكل أنواع التخوين والتضليل والبؤس الفكري، حيث جرى ذلك أمام أعين العالم، وأمام رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وأمام كل المشاهدين من أجناس جميع القارات التي كانت ترغب في متابعة مباراة نهائية لكرة القدم تليق بالقارة المريضة عوض أن تشاهد عقلية إفريقية ميؤوس منها في أن ترفع قيمة القارة إلى مصاف الأمم.

دفع المغرب خلال بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 كلفة نجاحه، لكنه ربح الكثير من النقاط، استثمر في بنيته التحتية، سَوّق لصورة مبهرة لقدرته على تنظيم أكبر البطولات، من جودة ملاعب، من نقل، من فنادق، من ربط جوي، من نقل تلفزي، من تدبير أمني، من صورة على شعب مضياف، كَرَمُه يستلهمه من جذور حضارته، من بيئة حاضنة للآخر، في المقابل كانت هناك عقول مريضة، تقتات من من آلام الآخرين مثل ما شاهدناه من فرح عند الجزائريين، مثلاً، عند خسارة المنتخب المغربي للنهائي.

تلك المشاهد، تعكس شيئا واحد: هي تعويض عن فشل ينخر واقعهم، هي تكريس لبنية وهم يتلذذ بالجهل، ويستمتع برؤية الغير يفشل، دون إدراك أن الغير (المغرب) خسر مباراة في كرة القدم، لكنه أبهر العالم بجودة ملاعبه، بنيته التحتية، جمال بلاده، وتلاحم شعبه، مع تفوقه بنصف قرن عن دولة بترولية وغازية بجواره، مازال واقعها يعكس أنها مازالت تعيش عهد ما قبل اكتشاف البخار!

كُلفة النجاح!

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تُلعب داخل المستطيل الأخضر وتنتهي مبارياتها بصافرة الحكم. كرة القدم، اليوم، هي جزء من اقتصاد يُدرّ ملايير الدولارات في العديد من الدول، ومنظومة معقدة ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...